آثرت في مقال هذا الأسبوع مخاطبة تلك الفئة التي تمتلك العديد من الشهادات المؤطرة في أجمل الإطارات، والتي تخصص لها أجمل الأركان لإبرازها في لوحة تحاكي ما يمتلكه صاحبها من معارف، فلا توضع واحدة حتى جاءتها أخرى بأجمل ما يجعل صاحبها يمتطي حصانه ذا الجناحين الساحرين اللذين ينأيان به بعيدًا عمن دونه من أشخاص لا يكادون يمتلكون بعضًا مما لديه، وهذا تصور مجازي مماثل لحقيقة أولئك الأشخاص الذين يحرصون على تلقي المعارف وتطوير الذات عبر القراءة المستمرة وحضور الدورات التدريبية والمشاركة في المؤتمرات والحلقات النقاشية، وهو طريق بالطبع في غاية الطموح والنجاح، لكنني سأبني تصورًا آخر أكثر واقعية، لمن يعاني من مراوغة الثقة لديه، إذ تمنعه من توظيف ما اكتسب من معارف وتحويلها إلى أفعال تأتي بانعكاساتها الإيجابية عليه وعلى مجتمعه، ومن جانب آخر، هناك سيطرة ذاتية قوية لمنع طاقة المعارف من التفاعل مع الخبرات والتجارب لانعكاسها على شخصيته، وهذه مشكلة حقيقية، على اعتبار أن المعرفة لديهم ذاتها هي تحقيق لكل شيء، ولا تستوجب انتقالات أخرى تقتحم ما تتضمنه من مفاهيم ومنهجيات، لذلك يكتفي بالحضور وربما بالمشاركة فقط. المهم أن يبقى محاطًا بألوان الشهادات ومجالاتها باستمرار، لدرجة أن البعض يتغنون بها في كل محفل وموقع.
حقيقة إن الأشخاص الذين يقبعون في تلك المحطة من اكتساب المعرفة وكفى، يكونون من أكثر الأشخاص تراجعًا في إحداث نقلات نوعية في حياتهم وفي حياة من حولهم، وإن اجتازوا منها محطات لكنهم في مقابل ذلك يطمحون باستمرار إلى الحصول على مكافآت توازي حصيلة ما يحصلون عليه من معارف، في حين أنهم يعانون مع متطلبات التغيير التي تستوجب التركيز على الممارسات التي تتجسد من المعارف ذاتها، باعتبارها الأساس الأقوى في رسم السياسات وإحداث التطوير، لذلك فإن اعتقاد الشخص بأنه يمتلك كل شيء هو بمثابة الفخ الذي يشكل هالة من الثقة الزائدة وعائقًا في إيجاد الموازنة الحقيقية بين الشخص وعلاقته بما حوله، فتوظيف الثقة بحد ذاته مهارة احترافية ترتبط بتوظيف المعارف التي تعكس حجم الاستحقاق المتوازن، وهي خطوة تضمن تحقيق الأثر المرجو من اكتساب المعارف وتراكمها بالصورة المثلى.
* كاتبة وأكاديمية بحرينية