العدد 4858
الثلاثاء 01 فبراير 2022
الناس كما يتحدثون
الثلاثاء 01 فبراير 2022

في ثراء شديد تتصدر بعض المحادثات بين البشر محلها من الاهتمام المقصود وغير المقصود، فتعمل الحواس ذات العلاقة على تشجيع الفهم والتفاعل معها، وهذا ما ألهمني فعليًا لمقال اليوم، كما في ذلك القول المشهور “الناس لا يتحدثون عن الأشياء كما هي، بل كما يريدون”.

يتناول الجزء الأول من القول مفهوم “الحقيقة” وما أكثر تلك المجادلات التفسيرية التي قرأتها حول الموضوع، حتى خلتني أغوص في مضامين فلسفية قد تبعدني عن الفكرة، فرجعت بمعناها القريب للجميع، لنقول إن الحقيقة: “هي الانعكاس الصادق الصحيح للواقع في الفكر، أي مطابقة الفكرة للشيء”، وهناك من يقول إنها “التأكيدات، والمعتقدات، والأفكار، والمقترحات”، بمعنى آخر، فإننا نحن البشر نحتاج للغة التواصل مع التعبيرات والسلوكيات عندما نتحدث، وقد نتقن المهارة ونبدع في الوصف والتعبير، وقد نتميز في نقل الحقائق كما هي، لكن ما الذي يحصل بعد ذلك؟

القضية الأخرى التي يتحدث عنها القول المذكور في الجزء الثاني ترتبط بسيطرة الدوافع والمشاعر بشكل كبير في واقع الحقيقة، لذلك تنتشر بأكثر من وجه، ما يفقدها الصحة ويبعدها عن الدقة. ومن هذا الغرار، بحثت في كتب علم النفس، لأقترب أكثر من التحليل النفسي والسلوكي للأشخاص الذين يكررون نفس الحديث بتفاصيل مختلفة إما زيادة أو نقصانا، وتوقفت أمام أمور متعددة تحكم الحدث والحقيقة نفسها، وهي التي ترتبط بمستوى ثقافة الشخص والأسباب التي تجعله يعتمد هذا الأسلوب، إذ غالبًا ما يستند إلى غلبة مشاعر الخوف وقيود الثقة بالنفس أو الحاجة للمزيد من الحماية، لكن التساؤل يتمحور هنا حول نسبة تأثير هذا الأسلوب على الواقع والحقائق ذاتها، وعلى مستوى العلاقات البشرية، ودرجة الوعي لدى أصحاب هذا الأسلوب بعدم المبالغة في هدم الحقائق.

ربما نجد أنفسنا أمام الحاجة لطرح الكثير من الدراسات الموجودة للاستفادة من نتائجها، بغرض فتح الأفق لدراسة العديد من المشكلات التي تكون أسبابها تراكم قضايا الحقيقة وانعكاساتها على البشر والمجتمع، لكن من الجدارة بنا أن نقول إننا نحن البشر نقف أمام حقيقة واحدة فقط، وهي أننا غالبًا نرفض بوعي أو لا وعي حقائق معينة في حياتنا الشخصية، أو في العالم من حولنا من أجل ما يسمى “راحة البال”، والأجدر بنا بعد كل ما سبق أن نتفق بأن الثراء الذي نمتلكه في قوة الكلام والحديث هو الذي يساعدنا على الابتعاد عن الحاجة لموقف طلب الحماية أو عدم الثقة في نقل الحقيقة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .