العدد 4506
الأحد 14 فبراير 2021
في ذكراه العشرين!
الأحد 14 فبراير 2021

عشرون ربيعًا تمضي، وميثاق العمل الوطني مازال على نضارة فكرته، وعلى يفوع بصيرته، وعلى نضج سريرته، مشروعا إصلاحيا بقوام “مشروع نهضة”، وأساسا لتحديث أمة، ومنطلقا لرجاحة عصر.

عشرون ربيعًا تمضي على ميثاق العمل الوطني، الذي يحمل مشروعًا إصلاحيًا كبيرًا لحضرة صاحب الجلالة الملك حفظه الله ورعاه، ومازالت السجايا ومحاسن التعاطي وعلامات الصحة والعافية تنبض بالحياة والتألق من قلب المشروع، مازالت الاستحقاقات قائمة، غضة وعفية وذات ملامح ومعالم واضحة، مازالت الرؤية سباقة رغم مرور عقدين من الأخذ والعطاء، من الصمود والتصدي لأزمات واحتقانات بعضها عابر وبعضها الآخر لم يستوعب الدرس، ولم يتعلم من صلابة التجربة، ولم يأخذ المشروع على محمل الجد.

البعض مما يقال، والبعض مما تم طرحه في ميثاق العمل الوطني مازال حيًا يرزق، عوده مشتد، وعلامات صحته عميقة التأثير، جليلة المستوى، واثقة الخُطى، هكذا نرى ميثاقنا الوطني، ومشروع جلالة الملك الكبير ونحن على بُعد عقدين من الزمان، ماذا أعطى، وماذا ننتظر منه؟

وهكذا يراه العالم، فلاسفته ومفكروه وسياسيوه، أن هناك ثلاثة مشروعات إصلاحية أبهرت العالم أحدها من جنوب إفريقيا بالتحديد من الزعيم الراحل نيلسون منديلا الذي قضى على العنصرية؛ ليوحد شعبه ويحلق به في عنان الديمقراطية، والآخر للزعيم التشيكي الذي حول بلاده من النظام الشمولي إلى نظام الحريات الديمقراطية المصانة، والثالث هو المشروع الإصلاحي الكبير الذي جاء به الملك حمد حفظه الله ورعاه من رأس الهرم ليقدمه إلى شعبه منشئًا مملكةً دستورية صنواناها التسامح، وأحجار زاويتها الإصلاح.

سؤال مازال على المحك، لكن في عطائه شديد الوضوح، بليغ المدى، عظيم الأثر، ومازالت مشروعاته التي خرجت من رحم التجارب السريرية الطويلة قيد التعاطي، وقيد المعلوم، وقيد التحقق، ومازالت تجربة الجامعات الخاصة مثلًا التي تعتبر باكورة المنتجات الحية للمشروع الإصلاحي الكبير على أوج تألقها وأهمها وفي طليعتها الجامعة الأهلية التي خرجت من رحم هذا المشروع مُثَبتة في مادته الأولى ذلك الحق بإنشاء جامعات أهلية وخاصة؛ باعتبار أن الجامعات منارات إشعاع حضاري ولابد لها من التجذر والتخلق لتصبح مكونًا أساسيًا من مكونات حياتنا العلمية، ومرصدًا مدججًا من مراصد همتنا الوطنية، ومعلمًا حضاريًا من معالم تقدم البحرين ورقيها.

عشرون ربيعًا على ميثاق العمل الوطني، والوطن عن بكرة أبيه يرتدي حلة بعمر السنين، وإنجازًا بحجم التحدي، وفكرة آن لها أن تحيا حيث “لون الورد يحيا في الشفاه”، ويمتد من أول العمر حتى منتهاه.

أيام جميلة لم نعشها بعد، هكذا بشر العاهل وهو يقدم لشعبه وثيقة العهد، وأبجدية النهضة، وهكذا يعد جلالته بأن بلادنا سوف تعيش الأيام الأجمل من خلال ذلك “العهد الوثيق”، وعن طريق دقائق مفرداته، ومن خلال التفاف النخب المتفكرة على الوعد الحق الذي لم يُرد به باطل.

إن بلادنا وهي تحتفي هذه السنة بمرور عشرين عامًا على إطلاق الوثيقة الممتدة لميثاق العمل الوطني، تمر بلحظة تاريخية فارقة أكثرها قساوة على شعبنا تلك الجائحة الكونية التي اخترقت الحدود وذوبت الفوارق بين الشعوب، وأدخلت أمة الإنسانية في مهب فقاعة احترازية تباعدية أغلقت الاقتصادات، وحزمت أمتعة المشروعات الكبرى لتغادر الخطط التنموية إلى أجل غير مسمى.

قالوا إن العام 2020 خط أحمر، وإن العام 2021 سوف يأتي بالمن والسلوى، وضعوا لنا الشمس بيد والقمر في الأخرى، واعتقدنا أننا باللقاحات “المعولمة” سوف نبيد الفيروس الكوروني اللعين، لكن رغم رجاحة البروتوكولات ووجاهة الاحترازات، ونجاعة التباعد، إلا أن لجنتنا التنسيقية برئاسة سمو ولي العهد رئيس الوزراء تبذل قصارى جهدها لكي تقلل من خطر الوباء كلما أمكن، أتاحت الفحص الكمي الرهيب بالمجان، للمواطن والمقيم وحتى للعابر سبيل البلاد، استخدمت أفضل اللقاحات وأكثرها أمنًا وأمانًا، اصطفت مع المشروعات التحفيزية بأكثر من حزمة دعم للقطاعات التي تأثرت، وتلك التي “ظلت تفكر وتفكر”، والأخرى التي قد يجذبها خلاط الأثر الجائحي اللعين، والتي تأثرت سلبيًا مع شقيقاتها “المتأثرات”.

ونحمد الله ونشكر فضله أن بلادنا مازالت تعيش بمنأى عن المعدلات الحرجة للإصابة بالفيروس، ومازالت الخطط تمضي مثلما هو مرسوم لها، وعلى قدم وساق من أجل امتصاص التداعيات ورأب الأصداع، ولملمة الآثار الجانبية.

ويأتي احتفالنا هذه السنة بالميثاق الوطني المجيد ونحن نتذكر، فالذكرى تنفع المؤمنين تلك الأيام الخوالي التي عشناها في كنف التخلق والميثاق الوطني الذي شرفت بالمشاركة في كتابته ضمن اللجنة العليا للميثاق ممثلًا عن قطاع التعليم، كانت الأجواء ملهمة، وكان جلالة العاهل مستجيبًا لجميع المواعيد، قائدًا أعلى لكل البنود والمواد التي وضعت البحرين في مكانة إقليمية وعالمية لم يسبق لها مثيل، الكل يعرف ماذا تحقق بالميثاق، والكل يعلم ماذا قدمه لشعبه من استحقاقات وإنجازات للمرأة والرجل على حد سواء، والكل يدرك بأن أيامنا الجميلة التي وعدنا بها الملك المفدى مازالت لها بقية.

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .