مع بداية عام 2021م يودع القرن الحادي والعشرين سنوات صباه اليافع، لكن ذلك لم يحدث دون أن يترك العام المنصرم آثارًا غير مسبوقة ستظل حيَّةً في ذاكرة البشرية كلها في جميع أنحاء العالم فترةً طويلةً من الزمن!! فقد ضربت جائحة كورونا العالم بأسره في عام 2020م وما تزال نتائجها السلبية وعواقبها مستمرَّة حتى الآن، وربما كان وباء كورونا هو الحدث الأسوأ في تاريخ الأوبئة العالمية؛ لأنه تسبب في وقوع خسائر اقتصادية فادحة، وإحداث فوضى واضطراب في أنماط حياة البشر بسبب فرض الحجر الصحي الجماعي على الناس!!
لقد تسبب وباء كورونا في الإغلاق وفرض حياة العزلة على الناس في منازلهم كبارًا وصغارًا رجالًا ونساءً، واستمر ذلك مدةً طويلة تغير فيها كل شيء!! وفي ظل عدم وجود مدارس وأنشطة رياضية واجتماعية لفترات طويلة انتشر التوتر والاكتئاب بين شرائح كثيرة من البشر، بالإضافة إلى الأضرار الصحية الأخرى، فقد أصيب بالمرض حتى الآن نحو 83مليون إنسان وراح ضحيته نحو 1.8مليون شخص، وحدث استنزاف هائل في الأنظمة الصحية في مختلف الدول حول العالم.
هذا فضلًا عن الأضرار الاقتصادية التي شهدها عام 2020م جرَّاء تفشي وباء كورونا، فقد خسر العالم تريليونات الدولارات، وشهد الاقتصاد تراجعًا كبيرًا في معظم دول العالم، كما تراجعت أسعار النفط لأسعار متدنية بسبب انخفاض الطلب العالمي عليه نتيجةً لحالة الإغلاق العام، وتوقف حركة الطيران والسفر والتنقل، والشلل التام الذي أصاب مختلف المجالات على مدى أشهر عدة، الأمر الذي ترك آثارًا كارثية على الاقتصادات العالمية، وفرض قيودًا على حركة البشر وتنقلهم بل وعلى العلاقات الاجتماعية والأسرية بينهم، فالكل خائف من المرض، والنصائح الطبية توصي بشدة باتباع قواعد التباعد الاجتماعي؛ ولذا تغيرت عادات الناس، وقلت الزيارات العائلية أو ربما توقفت تمامًا في بعض الأحيان، حتى في الأعياد والمناسبات المختلفة.
وقد أثَّرت جائحة كورونا على العبادة في العالم كله، حتى إن المساجد في دول العالم الإسلامي أغلقت عدة أشهر، وتعطلت الجُمَع والجماعات، واقتصرت الصلاة على المنازل، وتم تعليق أداء العمرة، واقتصر أداء الصلوات في المسجد الحرام على العاملين فيه، حتى فريضة الحج تم أداؤها بشكل رمزي بعدد قليل من المسلمين.
وقد شهد عالمنا العربي في عام 2020م رحيل عدد من زعمائه البارزين من بينهم السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان الذي رحل عن عالمنا بعد معاناة مع المرض، كما توفي الرئيس المصري السابق حُسني مبارك في أعقاب عملية جراحية أجريت له، كما أعلن عن وفاة أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح في الولايات المتحدة الأمريكية عن عمرٍ ناهز 91 عامًا بعد صراع مع المرض كذلك.
وربما كان عام 2020م الأسوأ بالنسبة لدولة لبنان الشقيقة بعد سنوات الحرب الأهلية فيها؛ إذ شهدت العاصمة اللبنانية بيروت انفجارًا ضخمًا في مرفئها في شهر أغسطس 2020م، ووقع الانفجار الهائل في أحد مخازن المرفأ الذي كان يضم شحنة ضخمة من مادة (نترات الأمونيوم) وخلَّف حُفرةً عرضها نحو 140مترا امتلأت على الفور بمياه البحر، وشهد المرفأ والأحياء القريبة منه دمارًا هائلًا، وفي غضون دقائق سويت المستودعات وصوامع الحبوب والغلال في المنطقة بالأرض، كما انهارت الأبنية والمنازل المحيطة بموقع الانفجار، ولقي نحو 140 شخصًا مصرعهم، وأصيب المئات بجروح، وشهدت منطقة الميناء دمارًا مروعًا من شدة الانفجار.
ولم تنتهِ سنة 2020م حتى فاجأتنا بريطانيا بظهور سلالات جديدة من فيروس كورونا أسرع انتشارًا، الأمر الذي تسبب في تزايد عدد الإصابات بالفيروس في بريطانيا؛ مما اضطر السلطات إلى إعلان الإغلاق مرة أخرى في أجزاء من البلاد أصبحت معزولة تمامًا عن العالم مجددًا، وذلك خوفًا من تفشي السلالات الجديدة التي ترافق ظهورها مع بدء أخذ الناس لقاح كورونا في عدد من الدول، لكن السلالات الجديدة ألقت بمخاوف كثيرة من فقدان اللقاح فائدته مع هذه السلالات الجديدة من الفيروس.
وقد أدى الانتشار لسلالة فيروس كورونا الجديدة إلى رفع مستوى القيود المفروضة على الاختلاط بين البشر، ودفع ذلك عشرات الدول إلى حظر السفر من وإلى بريطانيا التي فرضت سلطاتُها إجراءات إغلاق وتباعد اجتماعي مشددة لمكافحة تفشي الفيروس على نطاق واسع كما حدث أثناء الموجة السابقة من الجائحة، خاصةً وأن هذه السلالة الجديدة أكثر قدرة على الانتشار من السلالة الأولى من (كوفيد - 19) ولذا يخيِّمُ الخوف مجددًا على الناس في أنحاء العالم.
ورغم هذه الصور السلبية التي تركها عام 2020م في وجداننا إلا أن هناك ما يدعو إلى التفاؤل فرغم ظروف الجائحة البائسة عالميًّا فقد كانت آثارها السلبية أقل حِدةً في عالمنا العربي، كما تمكنت غالبية الدول العربية بفضل الله تعالى من تجاوز آثار الجائحة، وهناك مؤشرات إيجابية تدل على أن عام 2021م سيكون بإذن الله تعالى أفضل وأكثر خيرًا لشعوب المنطقة، ومن بشائر العام الجديد انعقاد القمة الخليجية غدًا في محافظة العُلا السعودية، ودعوة الشقيقة مصر لحضور هذه القمة الاستثنائية، الأمر الذي يُبشر بتعميق العلاقات الخليجية والعربية، وتجاوز البيت الخليجي والعربي لبعض متاعبه في السنوات الأخيرة.