العدد 4457
الأحد 27 ديسمبر 2020
banner
التعليم العالي (3 من 4)
الأحد 27 ديسمبر 2020

عندما صدر المرسوم بقانون ليفصل التعليم العالي عن وزارة التربية والتعليم، وعندما تضمن بشكل قطعي تحويل مجلس التعليم العالي من مُشغل إلى مراقب، شعرت بأن القطاع الذي كان يسعى لسنوات لكي ينال “استقلاله” قد تحقق حلمه، وأن الشخصية الاعتبارية التي كان يجب أن تُعبر عن هوية التعليم العالي، وعن خصوصيته منذ سنوات آن لها أن تتجلى في أبهى صورها، وفي أمجد لحظاتها التاريخية.


كثيرًا ما كنا ننادي بضرورة الفصل الكامل بين جميع السلطات، ونحمد الله ونشكر فضله أن ميثاق العمل الوطني الذي يعتبر بمثابة الوثيقة الرسمية المكتوبة للمشروع الإصلاحي الكبير الذي دشنه حضرة صاحب الجلالة الملك حفظه الله ورعاه، قد تضمن فصلًا كاملًا بين السلطات، بل وبين خصوصية العديد من القطاعات، لذلك ونحن نعيش هذه الأيام أمجد أيامنا، تزامنًا مع احتفالات المملكة بالعيد الوطني وعيد جلوس جلالة العاهل فإننا نجد التعليم العالي وقد عاد مجددًا ليتصدر المشهد، مُجتمِعًا في ذلك وجامعًا بين الملفات الواعدة التي وضعها ولي العهد رئيس الوزراء حفظه الله ورعاه نصب أعينه، وليعيد بذلك تجديد وغربلة المياه المتحركة في شرايين التعليم العالي، خاصة وأن المشروع الحيوي والأم لإصلاح التعليم والذي دشنه سموه ما زال هو حجر الزاوية والمحرك الفاعل لأمور التعليم العالي في بلادنا، وأن المراجعات التي تتم حاليًا لإخراجه من حيزه السابق والدخول به إلى آفاق تجعله أكثر استقلالية وأوفر حظًا وأسرع إيقاعًا متمتعًا بحرية حركة مناسبة.


هذا الوضع سوف يدفع بالطموحات لكي تتجلى في أروقة الجامعات، خاصة الجامعات الخاصة، وبصفة أكثر خصوصية تلك التي حصلت على الاعتماد الأكاديمي، وتلك التي تتبوأ مكانة معتبرة في نواصي الجودة للبرامج والمناهج وتلك المرتبطة بالحالة المؤسسية.


المرسوم المبارك جاء بردًا وسلامًا على الجامعات الخاصة تحديدًا لأنه منحها استقلالية غير مسبوقة وقدرة فائقة على التوسع في الأنشطة والمجالات التي طالما تمنت على مسئولينا الذين لم يقصروا أن يكون التحرر من القيود هو عنوان المرحلة، وأن يصبح التحليق بجميع الأجنحة مفعمًا بقوة الدفع الذاتية التي اكتسبتها الجامعات الخاصة تحديدًا من جراء الفصل بين فكر المُشغل وفكر المراقب، بين دور المسئول عن إدارة أعمال منظومة مكتملة العدة والعتاد، ودور المراقب لهذه المنظومة، يوجهها ويناقشها، ويصدر القرارات التي تشارك فيها استرشاديًا، ولوائحيًا، وتنفيذيًا.


إن مملكة البحرين تدرك تمامًا أهمية التعليم من أجل الارتقاء بالإنسان، بأن يكون مشاركًا في علوم الحياة، وفي فنون الأمم المتحضرة، وفي تطبيقات البرامج التي مازالت تفتقر إلى المختبرات المجهزة والمعامل المبرمجة، والمنصات المتفاعلة مع حركة البحث العلمي، ومع التكنولوجيا فائقة التحقق، كالذكاء الاصطناعي ودوره في ملاحقة علوم المستقبل، بل وفي التحليق بهذه العلوم إلى آفاق أكثر رحابة، وأشد بأسًا، وأوسع انتشارًا.


إن الاستقلالية للجامعات، قرار تاريخي صدر بقانون، وأن حرية الحركة لم تأت كشعار فضفاض أو كلافتة جميلة لا طعم لها أو رائحة، لكنها جاءت لتعيد رسم النقوش على جدارية منظومة قادرة على هيكلة قطاعاتنا الخدمية، وعلى منح الأولوية للبناء الرأسي والهيكلة الرأسمالية والإدارية والتمدد النوعي أو الكيفي لمفردات المجتمع، و.. للحديث بقية.

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية