فقيد الوطن... لن ننساك مدى الزمن
بسم الله الرحمن الرحيم
((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي))
صدق الله العظيم.
مضت أيام حزينة، ٤٠ يومًا على فاجعة كل البحرين، ومصابها الأليم، في وفاة صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رحمه الله وطيب ثراه، في يوم الأربعاء 11 نوفمبر من عام 2020، يوم عَلَت الصيحات، وانهمرت الدموع دون توقف، حزنًا، وحسرة ،وألمًا على فقيد الوطن الكبير.
ارتشفنا الحُزن، وبكينا بحرقة. لقد أبكانا فراق سموه، بحرقة فقدان الوالد السند، وعَمَّ الأسى مناطق وقرى البحرين من أقصاها إلى أقصاها، وضجّت مواقع الإعلام والتواصل الاجتماعي، ومُلئت الشوارع والطرقات لوحاتًا وصورًا لفقيد الوطن، بعبارات الوفاء لقامة ورمزٍ وطني كبير، ومنها "لن ننساك. إنا على فراقك لمحزونون. حزنك كبير ياوطن". وتوالت رسائل التعازي والاتصالات الهاتفية المعزية للقيادة الحكيمة حفظها الله ورعاها، من كل أنحاء العالم، من الدول الشقيقة والصديقة، التي أدركت ما قدّمه فقيد الوطن لبلده وشعبه وللإنسانية جمعاء.
وحان موعد مراسم التشييع إلى المثوى الأخير، وتمنى كل بحريني ومقيم المشاركة فيها، وردٍ جزء من الجميل والجزاء لمن نذر حياته للوطن والمواطنين، لولا الإجراءات الاحترازية والتدابير المتعلقة بالتصدي لفيروس كورونا (كوفيد19).
إنها حقيقة، ليس حلمًا أو كابوسًا مزعجًا.. لقد رحل الوالد القائد الحكيم، المُحب، المتواضع، صاحب الخلق الرفيع، والقلب الحنون، واليد البيضاء، رحل عن أبنائه وبناته، وترك مسيرة زاخرة بإنجازات تشهد له البحرين وشعبها والمقيمين على أرضها العزيزة. إلا أنه سيبقى خالدًا وحاضرًا في ذاكرة الوطن، ماضيه وحاضره ومستقبله. وسيبقى في ذاكرتنا وقلوبنا. وسنحكي للأحفاد عن مجد سموّه، وعزّه، وعطاءاته، ودوره وإسهاماته في تقدم المملكة وتطورها، ليتداولها الأجيال ويأخذون منها العِبَر، والحِكم والدروس، ليستفاد من جامعة وموسوعة علميه ورجل دولة من الطراز الأول في التعامل والتواضع والأخلاق.
كان الدعاء لسموّه حاضرًا في كل يوم، وفي الصوات الخمس، وكل وقت، وكنا نردد دعاءً له ونقول: "اللهمّ إنّي أسألك بكل اسمٍ لك أن تشفي أميرنا الغالي.. يا رحمن يا رحيم يا رب العالمين، اشفي سموه شفاءً لا يغادر سقمًا، اللهم ألبسه لباس الصحة والعافية، اللهمّ لا ملجأ ولا منجي منك إلّا إليك إنّك على كلّ شيءٍ قدير، اللهمّ اشفه، اللهمّ اشفه، اللهمّ اشفه، اللهمّ آمين..." ذلك إلى يوم ١١ نوفمبر، حتى أصبحنا ندعو له وكل يوم بالرحمة والمغفرة والرضوان، وأن يجعل مثواه الجنة والفردوس الأعلى".
ذلك هو فقيد الوطن صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، الذي أستذكر عددًا من اللقاءات التي تشرَّفتُ فيها بالسلام على سموّه طيب الله ثراه، ومن بينها عندما سلّمت سموه (رحمه الله) نسخة من رسالتَي الماجستير والدكتوراه، وزيارات سموه لمجلس الشورى، التي كانت العيد الحقيقي لنا جميعًا، ونشعر بهيبته ووقاره ومكانته العالية، وكان لي الشرّف في السلام على سموه ، وتبادل الحديث القصير مع سموه رحمه الله، وكما عهده كل من يلتقيه، يبادر بالسؤال ليطمئن على أبناء شعبه، ولا يتردد في الاستفسار عن اسم من يتشرفون بالسلام عليه، وعن آبائهم وعائلاتهم، فيُفاجأون بأنه يعرفهم جيدًا، ويذكر لهم سيرة عائلاتهم، وهذه خصلة من خصاله الحميدة رحمه الله التي لن تتكرر .
لن ننسى الرمز الوطني، الذي بدأ بتولي أول مناصبه التنفيذية في مارس 1953، وسنظل نفخر بما حظي به من مكانة مرموقة في المحافل الإقليمية والدولية، ومن احتفاءات عربية ودولية بإنجازات سموه الوطنية والإنسانية، حيث تجسد ذلك في تكريمه وتقليده الأوسمة ودرجات الدكتوراه الفخرية من قادة وزعماء الدول الشقيقة والصديقة.
وقد شهدت البلاد منذ ذلك التاريخ تحقيق انجازات كبيرة، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن من ازدهار وتقدم، وحتى أصبحت نموذجًا يحتذى به لدى دول أكبر مساحة وأكثر سكانًا وأعظم إمكانيات.،
مسيرة سموّه طيب الله ثراه حافلة بالعطاء والإخلاص والوفاء في حب الوطن، والوفاء لقضايا أمته العربية والإسلامية، ودروسًا في الدبلوماسية الإنسانية الحكيمة، وتاريخًا من النجاح والريادة والتميز في الحرص على رفعة المواطن البحريني وخدمة البشرية، هي مسيرة لا شك أن تستحق التوثيق والتأريخ لتصبح شعلة ومنارة لكل مخلص ومحب لمملكة البحرين وقيادتها الحكيمة، ولكل من يريد أن يبني الوطن وينهض به.
لن ولن ننسى أميرنا الغالي، طيب الله ثراه، ولن ننسى مجموعة الإنسان، صانع نهضة الوطن، بصماته في كل بقعة من بقاع الوطن، فمن يصنعون المجد والنهضة والعُلا لا يرحلون، بل يُخلدون بما قدّموه للإنسانية، وتبقى صورتهم مع كل مشهدٍ للتنمية والرقي.
لا يبقى لنا سوى حزن في القلب، الذي حجز سموه جزءا كبيرا منه ، ورصيد الحُب الذي نكنه لسموه. دعواتي بأن يمسح رب العالمين على قلوب أصحاب السمو أبناء وأحفاد فقيد الوطن، ويصبرنا جميعًا على فراقه.
سائلين المولى عزَّ وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، ويلهمنا جميعًا الصبر والسلوان لهذا المصاب الجلل.
لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى. وإِنَ العين لتدمع والقلب ليحزن وإنا لفراق سموّه لمحزونين
ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وانا اليه راجعون..
