العدد 4431
الثلاثاء 01 ديسمبر 2020
جاذبية الأمير الراحل
الثلاثاء 01 ديسمبر 2020

إن علم الفيزياء هو علم المادة، والحركة، والطاقة، إنها من العلوم التي تُعنى بالتعامل مع بناء المادة والتفاعلات التي تحدث بين مكونات الكون المرئي الرئيسة، وبشكلٍ أعم، تهتم الفيزياء بكلا الجانبين متناهي الصغر ومتناهي الكبر، حيث يشمل نطاق دراستها طبيعة وأصل حقول القوة الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والنووية، وكيف تتصرف تلك الإجرام (الصغيرة والضخمة) تحت تأثيرها ومن تلك الدراسات يتم صياغة بضع مبادئ وقوانين ونظريات تشمل وتفسر جميع هذه الظواهر المتباينة.


 وعلم الفيزياء هو أحد أسس العلوم الطبيعية والتطبيقية يدخل في علم الفلك، والجيولوجيا، والأحياء، والاقتصاد، والرياضيات، والهندسة، وغيرها.


تلك المقدمة تجعلني أعرج على تعريف فكر وطبيعة سمو الأمير الراحل، فقيد البحرين الكبير – بعد رحيل أخيه صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة - فهو ذو اتساع واسع في الفكر، ومرونة في التعامل ، وتأثير على الأفراد (محليا و دوليا)، ويهتم بالصغير والكبير، وله قوى تأثير عاطفية، وإنسانية، وجسدية وبطولية، منها المرئي الواضح ومنها الخفي الذي لا يدركه إلا المتبصر ذو اللب وذو التدبر.


هو شخص يصلح أن يؤثر في عدة مجالات منها التأثيرات العلمية، واستدل هنا على خبرتي في التدريس الجامعي الأكاديمي منذ 40 سنة؛ فهو الذي كان لا يفوت حفل تخرج لطلاب جامعة البحرين، يسلم عليهم فردا فردا، ودعم منح جوائز لكل متفوق من كل كلية، وشرفنا بقبول تخصيص جائزة باسم سموه في حفل التخرج. وهو الذي أصدر قرارا مهما جدا للأكاديميين، فقد عامل صاحب الرتبة الأكاديمية “ البروفسور” بنفس معاملة وكيل الوزارة، وصاحب رتبة “الأستاذ المشارك” بنفس معاملة الوكيل المساعد، ومعاملة “الأستاذ المساعد” بنفس معاملة المدير. وما أجمله من قرار هذا على قلوب الأكاديميين، خصوصا مع توجيهه برفع رواتب سلم التعليم العالي، فقد حفزهم على نيل تلك الرتب، وهي ليست سهلة الحصول، حيث يتوجب على تلك الفئة الخدمة والاشتغال في العلم والبحث العلمي-على الأقل-20 سنة، وتمتد إلى 30 سنة إذا كان باحثا مثابرا. هذا جعل جامعة البحرين، والجامعات الخاصة الأخرى-تنشر أبحاثا، وتشارك في مؤتمرات دولية، ويحصد منتسبوها جوائز عالمية، وكتب أساتذتهم تدرس في بعض الجامعات العالمية، ويقوم أساتذتها بتحكيم البحوث العالمية.


ومن تأثيرات الفقيد الراحل – أسكنه الله فسيح جناته – تلك التأثيرات الاجتماعية، فمجلسه العامر كل أسبوع صار ملتقى لكافة أطياف المواطنين والمقيمين، ممن ذهبوا ليحظوا بشرف لقائه، وبرفقة أبنائهم ليتعلموا من تلك الشخصية الكاريزمية في الحديث واللباس والتعامل والطرفة والجدية، فيخرج مرتادو مجلسهم والمحبة والألفة زادت بينهم.


ومن مجالات تأثيراته هو التأثير الاقتصادي، فهو الذي قاد البحرين – بمعية الأمير الراحل صاحب العظمة الشيخ عيسى – إلى الاعتماد على الاقتصاد غير النفطي، فأدخل فكرة جعل البحرين مركزا تجاريا بحكم موقعها الجغرافي، وما حباها الله من موارد طبيعية كالعيون الطبيعية والنخيل والمناخ المسالم، وبعدها عن الكوارث الطبيعية، كيف لا وهي “دلمون” التاريخ، وهي التي تم وصفها في ملحمة جلجامش. وهو الذي أرفد فكر ريادة الأعمال وتشجيعه في البحرين، وبفكر الاقتصاد المبني على المعرفة – آخذا بأفكار ابن أخيه ولي العهد (صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة) ونجله أمير الشباب ولي عهد البحرين نائب القائد الأعلى رئيس الوزراء، ورئيس مجلس التنمية الاقتصادية.  


وأخيرا، فإن من مجال تأثيراته هو التأثير الأمني، فهو ذلك الشجاع الماهر – وارثا تلك الصفة من الجين الخليفي الوراثي، فهم صانعو التاريخ، وكان لملكنا المفدى الفضل الكبير في تأسيس قوة الدفاع لحماية مملكة البحرين من الاعتداء الخارجي، ووزارة الداخلية من الاعتداء الداخلي ممن مالوا إلى الجريمة والتخريب والاعتداء على العباد.


خلاصة مقالي هو الوصول بالقارئ إلى أن فقيد البحرين الكبير خليفة بن سلمان – حفظ الله أبناءه وبناته وأحفاده- أتذكره دوما ما دمت مشتغلا بعلم الفيزياء، فعندما نتكلم عن الجاذبية وموجات الجاذبة أتذكر تلك الهامة الجاذبة للمواطنين وغيرهم، وعندما تتعامل الفيزياء مع القوة الكهرومغناطيسية – وهي القوة المُسماة بقوة لورنتز بين الجسيمات المشحونة مثل الإلكترونات السالبة، والبروتونات الموجبة، وتتكون من قوة كهربائية ومغناطيسية – فتأثيره مثل تلك الموجة، فهو جمع بين فكر الاجتماع والمال، وجعلهما قوة موحدة جعلت البحرين مزدهرا، ولكن محافظا على سمعته في الأخلاق والقيم والحب والسعادة.


وعندما نتناول في الفيزياء القوة الضعيفة – التي تُسمّى هذه القوة أحيانًا قوى التفاعل النووي الضعيف - وهي المسؤولة بشكلٍ رئيسيّ عن تحلل الجسيمات، وذات أهمية في تفاعلات الاندماج النووي، أتذكر مآثر الفقيد الراحل في الاهتمام بأمور يراها الغير بسيطة غير مشهودة، ولكنها حقيقة ذات تأثير عال جدا، ومهمة في المحافظة على أمن وسلامة البلد.


وأخيرا، عندما نتكلم عن القوة النووية القوية – وهي القوة الأقوى بين القوى الأساسية الأربعة التي أشرت تناولتها - رغم صغر مدى تأثيرها، حيث تحدث هذه القوى بين الجزئيات الأساسية داخل النواة، وتحدث تأثير مستقل ومتساوٍ بين كلّ من البروتون والبروتون الآخر، وبين النيوترون والنيوترون الآخر، وبين البروتون والنيوترون، فسموه بكريم أخلاقه وبنفيس طباعه حافظ على مكونات المجتمع البحريني رغم محدوديتها لتتكامل وتنتج مملكة صغيرة في المساحة ضخمة في الإنجازات والتأثير الإقليمي والعالمي.


 نائب رئيس جامعة البحرين للبرامج الأكاديمية والدراسات العليا
أستاذ الفيزياء التطبيقية بجامعة البحرين

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .