العدد 4363
الخميس 24 سبتمبر 2020
“السلم” صيدلية البشر
الأربعاء 23 سبتمبر 2020

لقد ترددت كلمة “السلم” في الأدب والشعر عبر التاريخ كثيرا، وذهب أكثر الأدباء والكتاب إلى التسليم بأن أقدار البشر متلاحمة، ويقفون إلى جانب بعضهم البعض، مهما اختلفت اللغات وتباينت البيئات التاريخية والثقافية، ففي نهاية المطاف يلعب السلم دورا مهما وكبيرا في عملية الاندماج الشامل بين الشعوب، ومن بين هؤلاء الفيلسوف “نورث وايتهيد” الذي أتحف العالم بنظريات وآراء فلسفية رائعة، فوايتهيد يرى أن من سمات الحضارة “السلم” وليس السلم في رأيه حالة استقرار وجمود، إنما شعور إيجابي له أثر عظيم في إيقاظ النشاط وحفز الهمم، وهو لا يقصر السلم على المعنى السیاسي، إنما عنده حالة عقلية تمتاز بإدراك أن الجمال له أهمية عظيمة، وهو قائم على الولاء للمثل الأعلى للانسجام الذي تنتصر فيه الاستقامة الأخلاقية في عالم جميل، وفي مثل هذا الانسجام تكون للحق منزلة مكرمة لأنه من أسمى القيم.

وحينما يتحقق السلم يتولد الهدوء الذي لا تعصف به العواصف، وتنطفئ نيران المطامع الذاتية، والخلافات الضئيلة التي تثيرها الاحتكاكات اليومية العادية، ويمتاز السلم باتساع الأفق، ووضع الوقائع إزاء القيم المثالية، ومعنى هذا أن السلم يجعلنا ننظر إلى وجوه الحياة الإنسانية المختلفة نظرة خالية من الأنانية تجعل الإنسان لا يحصر اهتمامه في الحصول على طعامه أو الالتجاء إلى ملاذ يحميه، ويصبح الكون لا يدور حوله وحده، ويعجب بالعمل الجدير بالإعجاب وإن لم تكن له فيه مشاركة، ولا يجري وراء الشهرة، ويتطهر من الأثرية الضيقة، وبذلك يصل إلى لازمة من لوازم الحضارة أي حب الإنسانية، والتخلص من قيود الأنانية.. فيطلق من عقالها القوى الحيوية التي في العادة نبددها في السعي وراء تحقيق الأغراض المحدودة وتسنح لنا الفرصة للقيام بنشاط خلاق.

 

أما مارسيل بروست فقد وصف “السلم” بأنه مثل النبات والشجر الذي لا غنى عنه أبدا، بينما عرفه برانتد رسل بأنه صيدلية البشر.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية