+A
A-

د. عبدالكريم مصطفى: توطين الطب النفسي يعيد تشكيل الممارسة العلاجية وفق خصوصية المجتمع

د. عبدالكريم مصطفىالطب، بوصفه علما، يُعد منظومة عالمية ثابتة وموحّدة من حيث الأسس والمعايير العلمية، غير أن ممارسته المهنية تختلف من منطقة إلى أخرى تبعاً للعادات والتقاليد والموروثات الثقافية والدينية.
ويُعد الطب النفسي أحد أبرز المجالات التي تتجلى فيها هذه الفروقات، نظراً لارتباطه الوثيق بالجانب الروحي، وما يتصل به من أبعاد دينية وثقافية واجتماعية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل الممارسة الطبية النفسية عن سياقها المجتمعي أو إخراجها من إطار الدين والثقافة والعادات السائدة، الأمر الذي أسهم في بروز مفهوم “توطين الطب النفسي”، بما يعني تكييف الممارسة العلاجية مع خصوصية المجتمع الذي تُطبَّق فيه.
ويُعد “منتجع سيرين الطبي” أحد أبرز الجهات التي انتهجت هذا التوجه وحققت نجاحات فيه، حيث التقت “البلاد” بالدكتور عبدالكريم مصطفى، استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان والمدير التنفيذي لمستشفى سيرين، للحديث عن مفهوم توطين الطب النفسي، وكان هذا اللقاء.

أوضح د. عبدالكريم مصطفى، استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان، والمدير التنفيذي لمستشفى سيرين، أن توطين الطب النفسي، أو ما يُعرف بـ (Personalization of Medicine)، هو تنزيل العلم على أرض الواقع، موضحاً أننا نستورد المعرفة من الغرب والشرق، وليس في ذلك ما يُعيب، إلا أنه كان من الأفضل أن نُنتج علماً نابعاً من واقع مجتمعنا ليكون أكثر ملاءمة وتأثيراً.

وأضاف: “نحن حالياً مستهلكون للمعرفة فقط، وعلى الأقل، أثناء استهلاك هذه المعرفة أو الممارسات المستوردة، ينبغي أن نمتلك وعياً بكيفية تطبيقها على أرض الواقع بما يتناسب مع البيئة والثقافة والظروف المحيطة في البحرين والخليج والشرق الأوسط، فنحن نختلف عن الشرق الأقصى، وعن مناطق أخرى من العالم، وكذلك عن الغرب”.

 

تجربة مؤتمر الطب النفسي بالولايات المتحدة

وأشار إلى أنه، خلال مشاركته في المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للطب النفسي، الذي عُقد مؤخراً في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو يُعد من أبرز المؤتمرات العالمية في هذا المجال، لاحظ أن أداء المنطقة، ولا سيما البحرين، متميز في هذا الجانب، إذ كانت هناك استشرافات مبكرة لعدد من القناعات التي بدأوا يتوصلون إليها حالياً.

وقال: “بعض الزملاء كانوا منزعجين؛ لأننا كنا نقوم بممارسات لم يكونوا معتادين عليها، فكنا نصف أدوية لا يصفونها عادةً. وحتى عندما قدمت إلى البحرين، وجدت أن هناك أدوية متوافرة منذ عام 1996، لكنها لم تُستخدم بالقدر الذي ينبغي”.

وذكر أنه، على سبيل المثال، توجد أدوية مهمة وضرورية مثل الليثيوم والكلوزابين، إلا أن بعض الزملاء كانوا يلجؤون إلى بدائل تُعد خياراً ثانياً.

وأوضح أن الليثيوم يُعد خط الدفاع الأول في علاج الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، ولا يوجد دواء ينافسه في هذه المكانة، مستغرباً أنه، وعلى مدى سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات، لم يجد مريضاً واحداً يتلقى هذا العلاج. وأكد أن المريض الذي يحتاج إلى الليثيوم ينبغي أن يحصل عليه.

وتابع أنه، رغم تقدم الزملاء في الخارج في مجال البحث العلمي، فإن الممارسة العملية في المنطقة، وبحكم القرب من المرضى، مكّنت الأطباء من استشراف أمور باتوا اليوم مقتنعين بها إلى حد كبير.

فقد كانوا يطبقون هذه الممارسات بإصرار، إذ إن إحساسهم باستجابة مرضاهم لهذه الأدوية، في إطار ثقافتنا وبيئتنا، كان يدفعهم إلى التمسك بها، حتى في ظل اعتراض بعض الزملاء.

واليوم، ثبت أن هذه الأدوية أكثر نجاعة وكفاءة، كما أكدت ذلك الأبحاث والأدلة العلمية.

 

توطين الطب النفسي في علاج الادمان

وأشار إلى وجود جانب يشهد شيئاً من التصادم، منوهاً إلى أنه، رغم كل ذلك، كان يرى أن أداءهم في المنطقة أفضل في نقطة واحدة محددة.

وأوضح أن بعض الأطباء يتحدثون عن الإدمان بوصفه مرضاً يذهب صاحبه لطلب المساعدة من أجله، وأن المريض نفسه لا بد أن يطلب علاج الإدمان، مؤكداً أن هذا الطرح غير صحيح، إذ لا يمثل القاعدة في الإدمان، بل يُعد استثناءً.

وبيّن أنه، من وجهة نظره، فإن الشخص الذي يصل إلى مرحلة طلب المساعدة يكون قد قطع شوطاً كبيراً نحو التعافي، مضيفاً: “حين تأتيني طالباً المساعدة من الإدمان، فأنا أراك في مرحلة متقدمة، أقرب إلى التعافي؛ فأنت في هذه الحالة لست مريضاً مدمناً، بل شخص يحتاج إلى مساعدة بسيطة، فالتعافي قرار في المقام الأول، ومشكلتك تكمن في التعاطي”.

وأضاف أن مجرد وصول الشخص إلى درجة طلب المساعدة، واستمراره في البرنامج العلاجي، يُعد – في تقديره – من أخف درجات الإدمان وأسهلها.

ولفت إلى أن لديه إشكالية مع بعض تعريفات الإدمان؛ لأنها تستبعد المدمنين الحقيقيين، موضحاً أن هناك من قد يتعرض لأشد العواقب، ومع ذلك لا يرغب في التعافي، بل يبقى مدركاً أنه قد يموت بسبب الإدمان، ومع ذلك لا يتوقف.

وأشار إلى أن هذه التعريفات تساوي بين هذا الشخص وبين من اتخذ قرار الامتناع وطلب المساعدة واستمر في العلاج، رغم أن الفارق بين الحالتين كبير جداً.

 

سلطة المُشرع وأخلاقيات المهنة

وأشار، في سياق حديثه عن إحدى الحالات التي طُرحت خلال المؤتمر، إلى أن هناك توجهاً يرى أن العلاج والتطوع في تقديم المساعدة ليسا من مسؤولية الطبيب، وأنه لا بد أن يبادر المريض نفسه بطلب المساعدة. إلا أن هذا النوع من المرضى – بحسب ما طُرح – لا يمثل الشائع، إذ يشكل أقل من 5 % من المدمنين الذين يطلبون العلاج، ما يعني تجاهل نحو 95 % من المرضى بدعوى حقوق الإنسان والحرية الشخصية.

وأوضح أنه قد يُتَّهَم بسلب حرية المريض إذا بادر بعلاجه دون إرادته، وقد يتعرض لمساءلة قانونية قد تصل إلى السجن، مضيفاً أن المفارقة تصبح: يموت المريض أو يتعرض الطبيب للعقوبة.

وبيّن أنه كان هناك في المؤتمر من يبرر رفض ما يُعرف بالعلاج الإلزامي، بحجة تعارضه مع الحرية الشخصية، ولأن دراساتهم تشير إلى فشله وضرره، إلا أنه أبدى تشككه في هذه النتائج، معتبراً أن معدلات الوفاة في حالات عدم العلاج أعلى.

وذكر أن أحد الأطباء دعمه في هذا الطرح، موضحاً أنهم يطبقون شكلاً من أشكال العلاج الإلزامي في ولاية فلوريدا، على غرار ما هو معمول به في البحرين، إلا أنه غير مسموح به في ولايات أخرى.

وقال: “أثرتُ هذا النقاش في المؤتمر، ووافقتني إحدى الطبيبات عندما عرضتُ عليها حالة راجعتها فيها والدة مريض مدمن بشأن ابنها، الذي يهدد بالقتل ويشكل خطراً عليها وعلى نفسه، وكانت تطلب المساعدة، لكنها كنت عاجزاً عن تقديمها لعدم وجود إطار قانوني يسمح بذلك، فإذا استمر على حاله فقد يموت أو قد يؤذيها”.

وأضاف أن الخلل في هذه الحالة يتوزع بين التشريع، والممارسة الطبية، وأخلاقيات المهنة، مشيراً إلى أن بعض الأطباء يتجنبون تحمل مسؤولية تخصصهم خشية التعرض للمساءلة أو الشكاوى.

وقال إن هذه الثقافة الأميركية تتعارض مع ما هو سائد في مجتمعاتنا، موضحًا أن رؤيتنا – كمجتمعات مسلمة ومؤمنة، وكذلك في بعض الديانات الأخرى – تقوم على أن الإنسان ليس من حقه اختيار إنهاء حياته أو إيذاء نفسه، وأن من حق الأسرة التدخل لمنع ذلك. وتقوم علاقاتنا على الترابط الأسري والاجتماعي، حيث يتحمل الأب مسؤولية ابنه.

وأشار إلى أن فلسفتنا ورؤيتنا تنطلقان من أنه ليس من حق الإنسان أن يختار إنهاء حياته أو إيذاء نفسه، لافتاً إلى أن من حق الأسرة التدخل لمنع ذلك والوقوف في وجهه.

وأضاف أنه، طالما منح الأب والأم الصلاحية ووافقا على التدخل، فإن هذا التوجه لا يدعم ترك الشخص يُلحق الأذى بنفسه أو يودي بحياته.

وأكد أن لديه قصص نجاح كثيرة، معتبرا أن ذلك يُعد من ثمار توطين الطب. ومع ذلك، لا يزال هناك من يرفض إدخال المريض للعلاج دون إرادته، بحجة أن هذا التوجه ينسجم مع الأبحاث، في حين يرى هو أن ذلك يتعارض مع ثقافتنا.

وأشار إلى أن بعض الأبحاث جاءت في خدمة المشرّع والقوانين، لافتاً إلى أن هناك دولاً شرّعت الحشيش والمخدرات بدوافع اقتصادية بحتة تهدف إلى زيادة دخل الدولة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات الجريمة لديهم، في وقت ترفض فيه مجتمعاتنا هذه التوجهات انطلاقاً من معتقداتها ومبادئها.

وأضاف أنه يمكن الاستفادة من الأبحاث المنضبطة والحقائق العلمية الثابتة، لا من النتائج المتأثرة بسياسات خاطئة وقعت فيها بعض الدول وستدفع ثمنها مستقبلاً.

وحذّر، بصفته طبيباً، من أن تطبيق هذه السياسات بشكل كامل قد يقود إلى نتائج سلبية خطيرة، مؤكداً أن لذلك عواقب وخيمة قد تظهر بعد سنوات، وربما لا تكون قابلة للإصلاح، خصوصاً في ظل تشريع الحشيش.

تعريف  الادمان وفق توطين الطب النفسي

وقال: “لذلك لديّ إشكالية مع بعض تعريفات الإدمان؛ لأنها تستبعد المدمنين الحقيقيين. فهناك من لو تعرّض لأشد العواقب لما أراد أن يتعافى، بل يظل مدركاً أنه قد يموت بسبب الإدمان، ومع ذلك لا يتوقف.

ثم تأتي هذه التعريفات فتساوي بين هذا الشخص وبين من اتخذ قرار الامتناع وطلب المساعدة واستمر في العلاج، في حين أن الفارق بين الحالتين كبير جداً”.

وتابع أن من ضمن توطين الطب علاجَ الإدمان، وأن ثقافتنا تسمح بذلك، كما أن التشريعات والجهات التنظيمية تدعمه، مشيراً إلى أنه لا يمكن تطبيق النموذج الغربي في علاجه؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى إزهاق الأرواح وإثارة استياء المجتمع.

أهمية توطين الطب النفسي

وأضاف أن أهمية توطين الطب تكمن في مراعاته للبيئة بما تحمله من عوامل إيجابية وسلبية، موضحاً أن بعض الأدوية تكون أكثر فاعلية في هذه المنطقة من العالم مقارنة بغيرها، كما أن بعض التدخلات العلاجية تتطلب نمطاً معيناً من الغذاء والشراب ونمط حياة (Lifestyle) يتناسب مع واقعنا.

وأشار إلى أهمية الجانب الروحي (Spiritual Aspect)، وكيف يمكن توظيفه في دعم الجوانب البيولوجية (Biological) والاجتماعية (Social) والنفسية (Psychological).

وأضاف أن ارتباط المجتمعات الشرقية بالديانات أقوى من ارتباط الغرب بها، لافتاً إلى وجود أبحاث علمية راسخة تشير إلى أن المتدينين أقل عرضة للإصابة بمختلف الاضطرابات النفسية، موضحاً أن ذلك لا يعني وجود مناعة لديهم، بل إن معدلات الإصابة لديهم أقل مقارنة بغير المتدينين في مختلف الاضطرابات، سواء الذهانية (Psychoses) أو العصابية (Neuroses) أو اضطرابات الشخصية (Personality Disorders)، بغض النظر عن الديانة.

نجاحات منتجع سيرين

وبيّن أنه استفاد من مختلف المصادر المتاحة في مجتمعه، سواء البيولوجية أو النفسية أو الاجتماعية أو الروحية، إلى جانب التوعية والبيئة والثقافة والمبادئ والقيم والأخلاق، موضحاً أنه وظّف هذه العناصر مجتمعة لإضفاء قيمة ومعنى على العلاج، حيث لم يعد العلاج مجرد إجراء آلي للتدخل في علاج الإدمان، بل أصبح يحمل بُعداً دينياً يُنظر إليه على أنه توبة وإصلاح للعلاقة مع الله سبحانه وتعالى، وليس مجرد إصلاح للعلاقة مع الأم والأب أو مع الحكومة والقانون.

وأضاف أنه، على سبيل المثال، في بعض الحالات التي تُتابع في منتجع سيرين، وعند قياس مؤشر الـ Cortices، يمكن ملاحظة – وفق ما يورده – عدد بلاغات الشرطة المسجلة على المريض خلال فترة الإدمان مقارنة بما بعد التعرف على سيرين، حيث تكون النتيجة صفراً.

وأوضح أن ذلك يُعد مؤشراً على انخفاض التصادم مع القانون بنسبة ذات دلالة إحصائية (Statistically Significant)، أي أنها ليست نسبة عشوائية أو حدثت بالصدفة، بل تعكس انخفاضاً حقيقياً ومؤثراً إحصائياً في مستوى المخالفات.

استثمار الترابط الأسري

وقال إن من توطين الطب استثمار فرصة الترابط الأسري من خلال إشراك الأسرة في العلاج وتخفيف الضغط عن الفريق العلاجي، بحيث يتم توجيه الأسرة والمريض معاً ضمن خطة علاجية تشمل المتابعة وإعطاء الأدوية.

وكشف أنه قبل نحو خمسة أشهر استقبل مريضاً برفقة والد صديقه، مشيراً إلى أن المريض كان قد أرسل رسالة قبل محاولة انتحار، ما مكّن إخوته من إنقاذه بعد كسر الباب عليه عقب إبلاغهم، إذ كان مصراً على إنهاء حياته ويُبدي ندمه على إبلاغهم، ويرغب فقط في المغادرة والموت.

وأضاف أنه تمكن من إقناعه بالدخول إلى المنتجع العلاجي، مؤكداً أنه لو كانت هذه الحالة في دول غربية، فلن يُنظر إلى مسألة موته بالاهتمام نفسه، بل سيُحترم قراره، بحيث إذا خرج قد يُقدم على إنهاء حياته بعد تناول “آخر رشفة”.