بعد المستنقع العراقي ومن قبله الأفغاني، لم تعد أميركا القوة العظمى من حيث القدرة على التدخل وفرض ما تريد في منطقتنا العربية، وأصبحت تعتمد على الوكلاء إذا ما أرادت شيئا ما في هذه المنطقة، وهي في سبيل جعل نفسها قادرة على إيجاد الوكيل حاليا ومستقبلا لأي شأن تريده فإنها مضطرة لإقامة العلاقات مع الأطراف كافة وإن كانت هذه الأطراف متناقضة في منطقتنا.
لقد اتضح ذلك مؤخرا عندما تبين أن أميركا ليس لديها مانع من أن تكون أقرب إلى إيران منها إلى دولة أخرى في المنطقة محسوبة على أميركا، وهي كذلك في الآونة الأخيرة لم تتردد في دعم المالكي رئيس الوزراء العراقي المحسوب على إيران ضد المسلحين السنة وسكان المناطق الشرقية والشمالية من السنة في العراق، رغم أن هؤلاء هم الذين ساعدوا القوات الأميركية في التخلص من بعض الجهات المناوئة لأميركا إبان الاحتلال الأميركي للعراق.
أميركا أيضا دعمت نظام حسني مبارك طوال ثلاثين عاما، وعندما آل هذا النظام إلى السقوط تبنت أميركا فكرة إسقاط مبارك على يد القوات المسلحة المصرية، ثم ما لبثت أميركا وأمام اكتساح الإخوان المسلمين للانتخابات في مصر إلا وأن تحولت إلى شبه صديق للإخوان والرئيس مرسي، وعندما تبين أن قوى مدنية وعسكرية قد تجمعت للانقلاب على مرسي الصيف الماضي أعطت أميركا الضوء الأخضر للإطاحة بمرسي، وبعد ذلك بقليل عندما تبين زخم القوة الإخوانية في الشارع والتي هددت الانقلابيين صمتت أميركا ولعبت الدور مع الطرفين لفترة ثم تحولت إلى دعم الانقلاب، حتى أن وزير الخارجية الأميركية لم يتردد في بلع أشد إهانة توجه لوزير خارجية أميركي عندما أصدرت المحكمة المصرية الحكم على الذين جاء الوزير للتوسط لهم في مصر في نفس اليوم الذي كان فيه كيري في القاهرة، ومع ذلك أعادت أميركا المعونة الأميركية للقوات المسلحة المصرية وبلعت أميركا الإهانة.
الأميركيون ليس لديهم مانع الآن بسبب حالة العجز التي يعانون منها مقارنة مع أوضاعهم في الماضي من أن يحاولوا مد جسور التعاون مع المعارضة في أي دولة عربية، وأن يبقوا على العلاقة مع النظام في تلك الدولة بحيث تكون أميركا هي الكاسبة في النهاية مع أي من طرفي المعادلة في أي دولة عربية، فأميركا ستكون مع المالكي ومع الحكم الشيعي للعراق، ولكن إن انفصل الإقليم السني فليس لديها مانع من أن تتبنى الموقف الذي يصنعه غيرها محليا، وهي أيضا ستكون مع الأكراد، وهي مع النظام الحاكم في مصر الآن، ولكن إن وصل إلى الفشل وعاد المسار الديمقراطي هناك فهي - أي أميركا - طيبة الذكر ستحاول مد الجسور مع الإخوان من جديد وهي ستكون مع كل الأطراف الليبية والتونسية والسورية على طريقة العاجز الذي يصفق للأقوى ومن تخدمه الظروف.
الأفضل لنا في الدول العربية ألا نسكت على السلوك الأميركي هذا، وأن نفضح العورة الأميركية المكشوفة للعيان في هذا المجال، وأن يقال لأميركا عما تعتقد بأنها تمرره على المنطقة، إن اللعبة مكشوفة وكفى.