كنا قد انتهينا في الحلقة السابقة وقبل الأخيرة إلى تعريف ما هو السياسي المبدع الموهوب، وقلنا إنه شخص يمارس السياسة كموهبة ولا يتعلمها؛ لأنها أصلا لا تُعلّم، فالسياسة إن خرجت عن كونها إبداع لم يفعله أحد من السابق ولا هو تقليد لآخر فإنها لن تكون فنا لتحقيق الممكن؛ لأنها حينئذ إن لم تكن كذلك فإن الغير سيحول دون تحقيق الهدف وعندها لن يكون من يدعي أنه يمارس السياسة سياسيا، وقلنا إن هؤلاء الموهوبين يتمتعون بقدرات عقلية غير عادية وحاسة سادسة مدربة لا تخطئ، وإنهم من حيث وجودهم في الحياة السياسية قلة، وإن منهم عرب نذكر الأموات منهم فقط مثل المرحوم رشيد كرامي رئيس وزراء لبنان الأسبق والمرحوم ياسر عرفات والمرحوم محفوظ نحناح رئيس حركة السلم سابقا. وأوردنا في الحلقة السابقة مثالا على ما يفعله الساسة الموهوبون من إبداعات سياسية، وقلنا بأن العمل العسكري من حيث الخطط في المعارك هو كذلك عمل إبداعي من الطراز الأول، ولغايات جعلت معنى العمل الإبداعي واضحا أكثر، نضرب أمثلة على هذه الإبداعات العسكرية، نعطي الأمثلة الثلاثة التالية من معارك حصلت في منطقتنا أولها عاصفة الصحراء.. ما هي خطة شوارسكوف حينها لإخراج الجيش العراقي من الكويت دون خسائر تقريبا، لقد استخدم خطة معروفة عسكريا وليس فيها إبداع وهي تثبيت القوات العراقية والالتفاف عليها، لكن عنصر الإبداع كان في أنه أعلن هذه الخطة قبل أن يبدأ الحرب، وفي أنه قرر أن يمنع القوات العراقية من الحركة رغم علمها بأنه سيلتف عليها وكان له ذلك، أما الثانية فكانت خطة تومي فرانكس قائد القوات الأميركية التي احتلت بغداد عام 2003 وأسقطت نظام صدام فقد كان معروفا أن النظام العراقي نشر الحرس الجمهوري على محيط بغداد واستعد لمعركة طويلة وقاسية عندما يصل الأميركيون إلى بغداد فطلب من تومي فرانكس أن يحتل بغداد دون خسائر تقريبا فماذا فعل، كان المفترض من قبل العراقيين أن الحرب ستجري بالأسلوب التقليدي حيث سيحاصر الأميركيون بغداد وتجري المعركة على محيط بغداد، لكن تومي فرانكس وضع خطته على أساس من عدم الالتقاء بقوات الحرس الجمهوري وبدلا من أن يحارب على دائرة محيطها 360 درجة حاول الدخول إلى بغداد من جبهة على طول درجة واحدة فقط من 360 درجة وهي نقطة المطار، حيث دخل هناك بقواته عن طريق الإنزال دون الالتقاء بقوات الحرس الجمهوري التي تكفل الطيران يتثبيتها في أماكنها ومنعها من الحركة واستعمل سلاحا غير تقليدي من تلك النقطة لم تعرف ماهيته حتى الآن ودخل إلى وسط بغداد، حيث أسقط التمثال والتقط لنفسه صورا في القصر الجمهوري فانهار الحرس الجمهوري ولم يعد موجودا، أما المعركة الثالثة فهي استخدام الجيش الإسرائيلي لنظرية الجزر العسكرية لأول مرة في تاريخ الحروب عام 1982 عنما غزا لبنان، حيث بموجب هذه النظرية لم يتوقف عند أي قرية أو مدينة لتطهيرها من أجل إكمال الطريق، وهو الأسلوب التقليدي، وإنما كانوا يحاصرونها ويستمرون في قتالها بينما تكمل القوات الأخرى المسير، حتى أنهم وصلوا إلى بيروت في يوم واحد وقاتلوا حول بيروت قبل أن تسقط صور وصيدا وقلعة شقيف، ومن الغريب أن العقيد الإسرائيلي صاحب هذه النظرية والإبداع الذي طبق نظريته قتل في نفس المعركة في مدينة صيدا على يد المقاومة الفسطينية.