السياسة التي يمارسها السياسي المبدع الموهوب من اللازم أن تكون دائما عملا إبداعيا؛ لأن السياسي الحقيقي لا يكرر وسائل معروفة من السابق، لأنه إن كررها فإن وسيلته ستكون معروفة ومكشوفة، وبالتالي سيحول الخصم دون النتائج بوسائل مضادة، وبالتالي يصبح عمله السياسي غير ممكن، وهذه ليست سياسة لأن السياسة تعرف بأنها فن تحقيق الممكن، فهو لابد إذن أن يعمل بطريقة إبداعية غير معروفة من السابق ولا تتكرر، فهي - أي السياسة - ليست روتينا يعرفه الغير، والسياسة الحقة لا تتطابق فيها الطرق والوسائل التي استعملها سياسيان اثنان أبدا، حتى ولو كان الهدف واحدا سواء مارسا العمل في أوقات متعاصرة أو مختلفة. فالسياسة فن، والفن محصور على صاحبه، فكما أنه لا يجوز لشاعر أن يلقي قصيدة قالها غيره من قبل وأن ينسبها لنفسه، فكذلك السياسة هي فن خاص بصاحبها وإلا فلن تكون طرقه وممارساته سياسية، وأدعياء السياسة من غير الموهوبين يمكن أن يكونوا هواة أو مقلدين أو موظفين بيروقراطيين يطلق عليهم اسم السياسي تجاوزا، فعمل كل سياسي محترف خاص به مثل بصمته ويختلف عن عمل أقرانه كليا تماما كما يختلف شعر المتنبي عن شعر البحتري وكلاهما شاعر محترف مبدع. والسياسي المحترف المبدع يمارس السياسة دون تكلف أو مشقة، وإنما تظهر أفعاله كنتاج طبيعي لما أودع فيه من قدرات عقلية جبارة وموهبة من عند الله لا يجرب أبدا، وإنما يهتدي إلى أقصر طريق موصل إلى الهدف من بين ألف طريق دون عناء ومن المرة الأولى. ويشبه السياسيون في هذا المجال الإبداعي العسكريين المحترفين، فهم لا يكررون خطة حربية معروفة من السابق، وإلا فإنهم لن ينتصروا في المعركة وكل عسكري انتصر في حرب كانت له خطته التي لم تعرف سابقا ولم تمارس من قبل.
ومن الصعب جدا أن تعرف ما هي خطة السياسي المحترف في الوصول إلى هدف ما إلا إذا أعلن هو فيما بعد عن الإبداع الذي مارسه؛ لأن الطرق الظاهرة والمعلنة حقيقة لا تكون من السياسي إلا من أجل التضليل عن الطريقة الأصلية التي يبتغي الوصول من خلالها إلى الهدف، وكثيرا ما يلقي الساسة المحترفون الطعم لخصومهم؛ لكي يعتقدوا أنهم عرفوا ما يريد السياسي المحترف فينصرفون إلى مقاومته على أرض وفي مجال غير الأرض التي يعمل عليها أو المجال الذي يمارسه، ومن المحترفين الذين أعلنوا عن إبداعهم في حدث سياسي معين في العصر العربي الحاضر المرحوم رشيد كرامي رئيس وزراء لبنان الأسبق وهو سياسي محترف موهوب من الطراز الرفيع جدا، ففي منتصف السبعينات من القرن الماضي إبان اندلاع الحرب الأهلية في لبنان انهارت الدولة كليا وأصبحت مقسمة من حيث النفوذ بين المليشيات المتصارعة، ومن أجل إنقاذ الدولة اللبنانية اضطر خصوم رشيد كرامي وأولهم رئيس الجمهورية في ذلك الوقت إلى رشيد كرامي ليكون هو رئيس الوزراء لمعرفتهم بأنه هو الذي تطلب منه المهمة المستحيلة وهي الإبقاء على الدولة اللبنانية رغم عدم وجودها على أرض الواقع فماذا فعل؟
أضاع رشيد كرامي أمام خصومه وخصوم لبنان أربعة أشهر تقريبا في محاولات التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار بين الفرق المتصارعة واستطاع أن يتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق واحد على الأقل يوميا بمعنى أنه توصل في بعض الأيام إلى أكثر من اتفاق وقف إطلاق نار ومن الطرائف التي تروى أنه في يوم من الأيام تلك توصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين فريقين متقاتلين بحيث يتوقفا عن القتال بالأسلحة الثقيلة فقط بمعنى الاستمرار في القتال بالأسلحة الخفيفة، وبعد أن مرت المرحلة الحرجة واستعادت الدولة نسبيا وجودها سئل عما كان يفعله طوال الأشهر الأربعة الماضية، ولماذا كان يسعى إلى اتفاقات وقف إطلاق نار يعرف سلفا بأنها لن تصمد ولن تحل المشكلة، فأجاب (بأنه كان يعمل على إنتاج اتفاق وقف إطلاق نار واحدا على الأقل في كل يوم وأنه كان يعلم أن تلك الاتفاقات لن تصمد، ولكنه كان يريد أن يتكرر الخبر يوميا في وسائل الإعلام في العالم بأن رئيس وزراء لبنان توصل إلى ذلك الاتفاق، وبالتالي استطاع أن يبقي اسم الدولة اللبنانية والنظام في لبنان قائما حتى لا يتعامل معه العالم على أنه قد سقط وأنه فعلا توصل إلى ذلك الهدف). ومن أجل ترسيخ معنى الإبداع وما هو في مجال العمل السياسي نورد في الحلقة القادمة والأخيرة من هذه السلسلة أمثلة على إبداعات في المجال العسكري أعلن أصحابها عنها فيما بعد.