العدد 1893
الجمعة 20 ديسمبر 2013
الإبداع في السياسة... ما هو؟ (2) د.محمد المحاسنه
د.محمد المحاسنه
تحليل إخباري
الجمعة 20 ديسمبر 2013

كما أسلفت في الحلقة الأولى، فإن هذه السلسلة تأتي ردا على تساؤلات قراء وردت عن معنى السياسي المبدع الذي ذكرناه كمصطلح في السلسلة السابقة الخاصة بملف العلاقات الأميركية الإيرانية. وقد حددنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة السياسي غير المبدع وغير الموهوب، ونخصص هذه الحلقة لبيان معنى السياسي الموهوب والمبدع.
بداية وبشكل مبسط، السياسة ما كانت إلا من أجل تحقيق أهداف من خلال وسائل وطرق يقوم بها الساعي إلى تحقيق الهدف، والسياسة تنطوي على معنى غير ظاهر، وهو أن تحقيق الأهداف من خلالها يكون بأقل كلفة ممكنة وبأقصر الطرق المؤدية إلى الهدف، وبما أن كل هدف من الممكن الوصول إليه عبر أكثر من طريق على الغالب، فالسياسة لا تكون سياسة إلا إذا تم التوصل إلى الهدف عبر أفضل طريق يخدم صاحب الهدف، ومعنى آخر يضاف إلى السياسة، وهو أن الهدف لابد من أن يوصل إليه طريق ما، وقد يكون هذا الطريق خفيا وغير مباشر، والسياسة ما كانت سياسة إلا لأنها يجب من خلالها الوصول إلى هذا الطريق ومعرفته، ولذلك نورد الآن تعريف السياسة ونقول بأنها (فن تحقيق الممكن)، وهي لم تكن فنا إلا لأنها يجب أن تصل من خلالها إلى الهدف عبر الطريق المؤدي إلى الهدف، ولو كان هو الطريق الوحيد السالك إلى الهدف من بين ألف طريق مفترض أو قد يخطر على البال، والأهداف في السياسة ليست سهلة، وإنما تحيط بها التعقيدات التي تجعل من السياسة عملا غير عادي، فالهدف ليس الوصول إلى نقطة ما فقط في السياسة، ولكنه هو الوصول إلى تلك النقطة دون أن يعرف خصمك بما تريد ومن خلال طريق غير مباشر أحيانا حتى يصعب على الخصم معرفة ما تريد؛ لأن الخصم لو عرف ما تريد قد يحول بخطوات من قبله دون أن تصل إلى هدفك، وفي هذه الحالة لا تكون حقا مارست السياسة، وقد يكون الطريق الموصل إلى الهدف غير عادي ومركب من عدة طرق وأهداف وعقد لا يستطيع الكثيرون معرفة احتمالاته، ولذلك فإن السياسي لا يعرف المستحيل أو يعثر على الطريق الممكن، ولو كان الأمر مستحيلا بالنسبة إلى الكثيرين.
ومن أجل ممارسة السياسة على هذا الوصف، يمارسها الساسة غير الموهوبين بالتقليد والتجارب التي قد تفشل في الوصول إلى الأهداف غالبا، وقد توفق مصادفة أحيانا، أو لأن الخصم المقابل لا يعرف شيئا أو من مستوى بسيط جدا، ومثل هذا ليس له وجود الآن إلا في بعض دول العالم الثالث، وإن كان هؤلاء يقلل من كم أخطائهم مَن حولهم من المستشارين الذين قد يوجد بينهم السياسي الموهوب بالفطرة في أحيان نادرة.
 أما السياسي الموهوب فهو موهوب كما الشاعر أو الفنان الفذ، وهؤلاء قلة يتميزون عادة برجاحة للعقل لا تخفى على أحد وبقدرات عقلية شبه كاملة وأدمغة جبارة في مجال التحليل والاستنباط، ولديهم حاسة سادسة متطورة تجعل أحدهم يعرف الأشياء قبل حدوثها ومن خلال معطيات قليلة جدا، يمارسون السياسة بموهبة وإبداع دائما ودون تقليد، ولا تتكرر لديهم الطريقة الواحدة ولو كان الهدف واحدا، يهتدون إلى الطريق الوحيد الموصل إلى الهدف من بين ألف طريق من أول مرة ودون تجريب بواسطة ما أودع فيهم من موهبة وقدرات عقلية غير عادية وحاسة سادسة لا تخطئ، ولكن ما هو المثال على مماراستهم للسياسة وكيف يمارسون السياسة بالمقارنة مع الساسة البيروقراطيين غير المحترفين، هذا ما سيكون موضوعا للحلقة المقبلة رقم (3).
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .