هل ينطبق هذا القول على ما نحن فيه حين ترحم البعض على الحجاج بالرغم من المجازر التي ارتكبها والأعمال الإجرامية التي جرت على يديه وبعد أن رأوا ماذا يفعل من أتى بعده فترحموا عليه لأنه كان أهون منه، هل ينطبق هذا المثل علينا اليوم ونحن نرى ما يجري على الساحة العربية وفي فلسطين بالذات ولا نرى ردة فعل إيجابية واحدة ممن بيدهم القرار، كأننا نقول إن من سبقوهم كانت لهم مواقف أفضل من المواقف الحالية بالرغم من عمالة المواقف السابقة وبالرغم من التبعية التي كانوا عليها ولكنهم لم يكونوا يجرؤون على الإفصاح عن تلك التبعية وكانوا يدارونها ببعض التنديد على أقل تقدير لما يمارسه العدو الصهيوني كل حين بأهلنا في فلسطين.
ما الذي يحدث في عالمنا العربي؟ ضياع ما بعده ضياع حتى غدا الكثير من المواطنين العرب لا يعرفون ما الذي يجري ويطبقون نظرية المؤامرة على كل الأحداث من حولهم لأنهم ربما لا يستطيعون فهمها أو فهم كيفية حدوثها ولا الدوافع من حولها، ولا عذر لمن بيده القرار على هذا الإذعان وهذا الاستسلام لهذا الضياع، توقفت الحروب في كل مكان في العالم تقريبا وانتشرت بدلا من ذلك على الأرض العربية وكأن السلاح لا يصنع إلا للعرب يقتلون به بعضهم بعضا ووصل الوضع بنا إلى حده الأقصى من التنافر والكيد كل للآخر.
في ثمانينات القرن أذكر عبارة وردت في أحد كتب الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل حين قال “إننا – أي الأمة العربية – وصلنا إلى قاع الإناء وليس لنا إلا أن نرتفع فليس بعد القاع شيء، ولكن يبدو أننا حفرنا القاع لنغوص تحته ونبحث عن قاع جديد أسفل منه، وحين كتب هيكل ذلك الكلام لم تكن حرب الخليج الأولى – العالم ضد العراق - وتدمير قوة العراق قد حدثت، ولم يكن الانقسام العربي قد وصل إلى ما نحن عليه ولم يكن أحد من الدول العربية – عدا مصر حينها – قد ارتبط بالعدو الصهيوني، ومع ذلك فقد كان يرى أننا وصلنا إلى القاع، فما الذي عساه يقول، سواء كان محمد حسنين هيكل أو غيره من المفكرين والكتاب، في وصف حال أمتنا العربية اليوم التي يبدو أنها حفرت أنفاقا تحت الأرض لتغوص في ما تحت القاع.
ليس هناك سبب يمنع أي نظام رسمي عربي من العودة إلى الطريق الصحيح ومحاولة الارتفاع عن القاع وما تحته إلا المصلحة الشخصية الوقتية والتعاكس مع التوجه الشعبي ومعها ربما أمور أخرى غير مفهومة ولا معروفة، الله أعلم، ولكن المشكلة أن كل جيل يرى أننا كأمة نتردى باستمرار وننحدر مع كل تغيير في قمة هرم النظام العربي، مع أن التغيير عندنا أبطأ من أي مكان آخر في العالم، إلا أن التردي أسرع بكثير من التغيير.
ومن علامات التردي ما تحدثنا عنه سابقا حول الموقف من العدوان الصهيوني على فلسطين غزة، وكيف وصل التردي إلى الموقف الشعبي وليس الرسمي فقط، لذلك نقول رحم الله الحجاج عن ابنه، فقد مات ولكنه وضع أساسا لبناء أشد منه قسوة وأكثر تهالكا وظهر وكأنه حمل وديع أمام النظام الجديد، وهذا ما يحدث في النظام الرسمي العربي عندنا الذي نأمل أن يتوقف عن ذلك ويعود إلى الوطنية الشعبية من جديد... والله أعلم.