هل هي مصادفة أن يكون الاستفتاء على مصر القادمة متصادفا مع ذكرى ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر وكأنه استفتاء على نهج عبد الناصر نفسه وميلاد تاريخ جديد للأمة بعد ما مرت به طوال العقود الأربعة الماضية ، ثم كأنه – أي الاستفتاء - رد على كل ما قامت به جماعة إخوان مصر بحق هذا الرجل الذي سجي في قبره قبل ما يزيد عن ثلاثة وأربعين عاما ومارسوا خلال كل هذه السنوات كل أنواع التزييف للواقع والتاريخ من أجل النيل منه ومن أعماله وإنجازاته ... هل يكون الاستفتاء على الدستور استفتاء على هذا الرجل واعتذارا منه على ما حدث بحقه من قبل الجماعة والنظام الزائل الذي جثم على صدور البشر طوال السنوات الماضية ؟ .
كأن روح هذا الرجل تطل على الأرض والشعب وتتنفس هواء جديدا هذه الأيام وترتاح ويرتاح صاحبها بعد طول معاناة أحدثتها الجماعة ومن وقف معها ودعمها ومدها بالمال والسلاح لكي تنال منه فقط ليس لشخصه فقد ذهب الرجل ولكن فكره وإعماله وما قام به من اجل هذا الشعب الذي عادت الأجيال الجديدة الآن والتي لم تر الرجل لتقول أنه على حق ومن خالفه هو الذي على باطل .
لا تسمع في لقاء أو ندوة أو مؤتمر أمرا يخص الشعب العربي ومصالحه إلا وسمعت من يتحدث عن عبد الناصر وإنجازاته ويستذكر ما فعله كنوع من التدليل على الحديث الجاري في تلك الندوة أو المؤتمر أو اللقاء والتأكيد على صحة ما يقول ، الكل الآن بدأت الروح تعود إليه كما قال الحكيم في يوم من الأيام بعد سنوات من الضباب بل الظلام لفت الجميع وأضاعت بوصلة التاريخ والمستقبل وأدت بالبشر إلى التخبط والضياع لا يدرون ماذا يفعلون ولا إلى أين يأخذهم المسير، فكل الأحداث كانت تصب في غير ما يريدون وما زاد من الطين بلة أن يكون بينهم من يساهم في ذلك من تيارات يقال أنها شعبية ولكنها تسير في غير ما يريد الشعب وتتوشح بوشاح الدين وتساهم في تعميق الغياب وتوسيع الضياع .
من هنا نرى أن نتائج الاستفتاء لا بد وان تكون دليلا على التوجه الجديد لمصر الجديدة ووسيلة لكشف الغمة التي أحاطت بها طوال تلك السنين الكئيبة التي مرت عليها وعلى أمتها معها وهي في نفس الوقت ستكون يدا ترفع بها العجز الذي شاب العمل العربي وجعل منه أداة لأعداء الأمة وأعاق العمل الواحد لهذه الأمة ، وما هذه الحشود التي رأيناها تنزل للشارع احتفالا قبل مشاركة في التصويت إلا إعلان منها بأنها نبذت هذا العمل التي قامت به الجماعة وأعلنت تأييدها للخارطة الجديدة للطريق التي بدأت بالتصويت على الدستور وستستمر بالانتخابات القادمة للسلطة التشريعية وقبلها أو بعدها رأس السلطة التنفيذية.
هذه النسبة العالية من المشاركة ومن الموافقة التي نأملها هي تعبير عن تمسك الشعب العربي في مصر بمبادئه العليا التي أرساها الزعيم جمال عبد الناصر قبل نصف قرن من الزمان ، ولا نقول أنها كما أعلنت في وقتها لأن ذلك يعني التوقف عن مرور الزمن ولكنها مبادئ عامة ارتضاها شعب مصر العظيم والذي أعلن كذلك بموافقته هذه أن ما مارسه عبدا لناصر حينها وموقفه من الجماعة كان نابعا من فهم صحيح لها ولممارساتها ولفكرها النابذ .
حاولت الجماعة إرهاب الناس ومنعهم بالقوة من المشاركة فواجهها الناس بموقف إيجابي من الدستور الجديد ، وحاولوا طوال الشهور الماضية تصوير ما حدث بأنه انقلاب وأنه عودة لما أسموه ( بالعسكر ) فأجابهم الناس برفع صورة عبد الناصر ومعها صورة السيسي في تعبير واضح عن الرؤية ليس بحاجة لتفسير ، لقد أعلن شعب مصر أخيرا عودة عبد الناصر من جديد وأعلن تمسكه به تاريخا ونهجا للمستقبل .
حفظ الله مصر وشعبها من كل مكروه وأعانهم ونحن معهم على بلوغ المستقبل الذي نرجوه ومنع عنهم بقوته كيد من يكيد وتدبير من يعمل في الظلام ... والله المعين والحافظ .