العدد 1920
الخميس 16 يناير 2014
مصر.. الدستور والمستقبل أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الخميس 16 يناير 2014

ما شهدته مصر خلال اليومين الماضيين لم يكن بحال من الأحوال مجرد استفتاء عادي على تعديلات دستورية أو حتى على دستور جديد في بلد لم يعرف الهدوء لمدة ثلاثة أعوام ومنذ ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، ومع أن نتيجة الاستفتاء قد تكون محسومة من خلال ما تابعناه من قبول المواطنين في مصر المحروسة لما ورد في الدستور الحديد إلا أن التحدي الحقيقي سيكون في نسب التصويت التي ستحدد مسيرة هذا البلد العربي الكبير لعقود مقبلة من الزمن.
النتيجة ستكون بمثابة القول الفصل من قبل الشعب العربي في مصر بحق الإرهاب الذي مارسته جماعة الإخوان ولا زالت تقوم به حتى أثناء عملية الاستفتاء؛ لمنع الناس من الذهاب إلى مراكز الاقتراع، حتى تقول بعد ذلك إن الإقبال كان ضعيفا، وسيحدد الشعب موقفه من الجماعة التي حاولت خلال العام الماضي جر مصر إلى طريق غير طريقها الحقيقي والصحيح، طريق التقطيع والتكفير وفصل الشعب بعضه عن بعض، ومع ذلك فإن ما شاهدناه على القنوات الفضائية يقول إن التفاف الشعب على إرادة التغيير كانت واضحة وليست بحاجة إلى رتوش أو تزيين.
 لم يتوقف القتل في هذين اليومين ولم يتوقف الرصاص على الناس العاديين؛ لأن الجماعة ترى أن ما يحدث بمثابة شهادة الموت التي سيمنحها الشعب للجماعة بعد أن عانى ما عانى منها وتبينت له حقيقتها وفهم أسلوبها الذي يقول أنا ومن بعدي الطوفان، وتبين أن الجماعة ستوجه عناصرها ومن يتبعها من المنتمين للغرب للقول لا للدستور وفي نفس الوقت ستعمل بكل طاقتها لمنع الآخرين من الذهاب إلى لجان التصويت وهو أمر اعتدنا عليه منها ومن النظام القديم الذي انتهى في يناير من عام 2011.
قيادات الجماعة وكواردها الكبيرة تعي تماما أن الكثافة في التصويت والقول بنعم للدستور الجديد تعني نهايتها سياسيا واجتماعيا، خصوصا أن ذلك يعني موافقة الشعب العربي في مصر على الوصف الذي طبع عليها ولو متأخرا ألا وهو الإرهاب، يعني أن هذا الوصف صحيح، وأنه يجب التعامل معها على هذا الأساس وليس على أساس أنها جماعة دعوية خيرية.
الخاسر الأكبر من النتيجة القادمة بعون الله والتي ستظهر خلال اليومين المقبلين على أكثر تقدير هي قناة الجزيرة، إضافة لجماعة الإخوان في مصر، فقد راهنت القناة وبذلت الكثير من الجهد والمال خلال الشهور الماضية لإعطاء صورة غير واقعية لمصر وما يحدث فيها... صورة يراها الآخر عن أرض الكنانة أو صورة يريدها لها على غير ما يريد الشعب العربي المصري، فقد دأبت القناة خلال الشهور الستة الماضية على تصوير ما ليس بمصر حاليا والتهويل من ممارسات لا نقول صحيحة ولكن نقول أخطاء مبررة، بل نراها حتى في عملية الاستفتاء التي نحن بصددها الآن على أنها عمل لا ديمقراطي يخدم الانقلاب العسكري الذي روجت له على أنه المعنى الخفي للثورة التي حدثت في الثلاثين من يونيو الماضي، فقد استخدمت لفظ الانقلاب بدلا من الثورة في كل برامجها ونشراتها الإخبارية.
أما الخاسر الآخر في ما يحدث في مصر الآن هي تركيا، والحقيقة هي النظام الحالي في تركيا الذي اعتقد أنه سيقود من جديد العالم الإسلامي إن انخرطت مصر في هذه العملية وعملت تحت سقف الرأس التركي، لذلك استمات النظام التركي الحالي في محاربته لثورة الثلاثين من يونيو بالمال والسلاح والدعم اللوجستي والمعنوي والإعلامي لعله يستطيع أن يغير الواقع الجديد، إلا أن الاستفتاء الأخير سيكون النهاية لكل تلك المشاريع التي عمل عليها كل من يعادي الأمة والشعب العربي في مصر.
لقد أراد كل من يعادي المستقبل العربي أن يعزل مصر بحكمها السابق ويجرها خلفه مع أن مصر لا تسير خلف أحد ولا يستطيع من كان جرها؛ لأنها مصر محمد علي وسعد زغلول وجمال عبد الناصر أكبر من ذلك بكثير وستثبت الأيام المقبلة كل ذلك بإعلان النتيجة التي نريدها أن تكون مكممة لأفواه كثيرة نعقت طوال الشهور الماضية وصورت الأمر بعكس حقيقته، بل مارست العنف بكل صوره بحق الشعب العربي المصري ومع ذلك فشلت؛ لأن الشعب لم يقبل ما تقول أو تفعل.
حمى الله مصر والأمة من شرور الأعداء والمتربصين وأنار لها الطريق الذي من خلاله ستنتشل ذاتها وأمتها مما أوقعها فيه نظامان استمرا أكثر من أربعة عقود من الزمن... والله الموفق.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .