العدد 1913
الخميس 09 يناير 2014
سوق السخرة في عهد الديمقراطية والمؤسسات أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الخميس 09 يناير 2014

من تابع بعض الأفلام والمسلسلات العربية القديمة بالذات والتي تتحدث عن الظلم الذي يقع على الفقراء من العاملين في ما يسمى السخرة يصاب بالغيظ على ما كان يحدث وعلى انتهاك حقوق البشر التي يمارسها صاحب رأس المال غير الوطني والوسيط الذي يورد العمال، والوسيط هذا يدفع بالعمال لصاحب العمل ويستلم أجورهم ثم بعد ذلك يرمي لهم بالفتات منها، أي انه يأخذ حق غيره دون عمل في حالة طفيلية على حساب من يعمل.
يبدو أن هذه الحالة لم تنته ولم يغيرها التطور الكبير الذي حدث في مفاهيم وتطبيقات قوانين حقوق الإنسان في كل مكان، فلا زالت هذه الممارسات موجودة حتى اليوم، بل نظم القانون هذه الأعمال في بعض المجالات دون أن يمس جوهرها الحقيقي، وأنشأ مؤسسات لكل ذلك وفيها يقوم أفراد باسم مؤسسات ودون عمل باستغلال عرق الآخرين ودفعهم للعمل في أماكن كثيرة ليدفع صاحب العمل أو المؤسسة للفرد أو للشركة التي تقتطع ما تراه حقا لها وتدفع بالباقي للعامل الذي لا يحق له الشكوى ويضطر للقبول بالفتات الذي يرمى له خوفا على مصدر الرزق وخشية من انقطاعه.
قديما كنا نرى سيارات النقل تقف ليتسابق نحوها الكثير من الرجال على أمل أن يجد كل منهم مكانا فيها لكسب قوت يومه وقرأنا عن شيء من ذلك القبيل في بداية اكتشاف النفط في البحرين، وكيف كان العمال يوردون إلى الشركة الباحثة والمنتجة للنفط، والتي بدورها تدفع للمورد الذي يجلب العمال، وهو بدوره يدفع لأولئك العمال بعد أن يأخذ الجزء الأكبر من الدخل.
هذه الأمور كان يمكن قبولها في السابق حين كانت قيمة الإنسان متدنية وفي ظل أنظمة ترى في الفرد الإنسان مجرد آلة للإنتاج وليس أكثر من ذلك، وربما كان ذلك معتادا - ولا نقول مقبولا - قبل أكثر من قرنين من الزمان، حيث لم يعرف التشريع العادي شيئا عن حقوق الإنسان مع أنها كانت واضحة جلية في ديننا الإسلامي منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، ولكن الغريب أن يكون الانتهاك لتلك الحقوق قد وجد من الطرق الكثير ليتمكن بها من الالتفاف على نصوص القانون الوضعي وحقوق الإنسان ويجد طريقه لأرض الواقع على يد رأس المال المُسْتَغِل للإنسان الفرد والقادر على إيجاد السبل والوسائل التي تمكنه من زيادة ربحه المادي على حساب مبادئ الإنسانية، وبالتالي غدا استغلال الإنسان لأخيه الإنسان يتم وفقا للقانون وعيني عينك كما يقال.
ويمكننا أن نتساءل حول ما إذا كان يمكن أن تتم هذه الأمور وتنتهك حقوق الإنسان في مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية ويتمكن الإنسان فيه من الحصول على حقوقه المشروعة كإنسان أولا وكمواطن ثانيا؟ وهل يمكن أن يحدث ذلك لو وجدت منظمات حقوقية غير مسيسة ومجردة من كل مبدأ عدا مبادئ الحقوق الإنسانية؟ بل هل يمكن أن يستغل الإنسان أخيه الإنسان لو فهم الجميع معنى الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام “أحب لأخيك ما تحب لنفسك” أو كما قال، لأن في هذا الحديث دعوة للقادر على أن يرى نفسه في غير القادر وأن يرى الغني ذاته في الفقير فيتصرف الاثنان التصرف الصحيح الذي عليهما القيام به بعد أن يشعرا بشعور غير القادر والفقير.
الهيئات والمنظمات الحقوقية عندنا وعند غيرنا لم تعد في معظمها تدعو لحقوق الإنسان المجردة والمنصوص عليها في برامجها وأهدافها، ولم تعد تعمل بعيدا عن السياسة، بل ربما نستطيع أن نتجاوز ونقول إنها لا تعمل بعيدا عن المصالح المتشعبة وإنما تكون الأعمال والمواقف مرتبطة بتلك المصالح، فإن كان الأمر كذلك كيف لنا أن نأمل منها خيرا في مجال الحقوق التي هي أساس عملها؟
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية