ما تحدثنا عنه بالأمس عن العنف وتاريخه والنظام الدولي، الذي كان يدعم بل كان يحض على العنف تبعا لتبعية الجهات التي تمارسه وموقفها من القطبين المهيمنين على الساحة الدولية حينها، فما هو ثورة عند الشرق يمثل عنفا عند الغرب والعكس صحيح، ما هو ثورة عند الغرب يمثل عنفا وارتدادا عند الشرق، هذا ينطبق على الوضع الحالي في المملكة، والتي يسودها عنف من نوع آخر ربما يختلف في النوع والهدف عن ذلك الذي حدث في الماضي وتحدثنا عنه.
عندما بدأت موجة العنف المحلية تناولها الغرب ودعمها ربما ليس حبا فيها ولكن لغاية في نفس يعقوب قضاها كما يقول الكتاب الكريم وكذلك لالتقاء المصالح الوقتية، ولم يترك الغرب موقفا ولا مناسبة إلا ويتحدث عن البحرين، لذلك بادر بتحريك آلته الإعلامية العملاقة لتتحدث عن البلد الصغير الذي ربما لا يعرف معظم مواطني الغرب أين يقع، حرك تلك الآلة العملاقة ضد هذا البلد وحرك من جهة أخرى منظماته المسماة بالحقوقية والتابعة إن بصورة مباشرة أو غير مباشرة للجهات الرسمية الغربية، حركها لتتحدث عن حقوق الإنسان المهدورة! في البحرين دون أن يلتفت ولو للحظات لما يحدث حقيقة في الداخل أو يكلف نفسه عناء معرفة أو محاولة معرفة الحقيقة كما هي مجردة، فهو لا تهمه تلك الحقائق بقدر ما يهمه ما ينتج وما يريد تحقيقه، وكان يضع تلك المنظمات الحقوقية في المقدمة ويتبعها من منطلق استقلال تلك المنظمات والضغط الذي تمثله على القرار الرسمي الغربي.
مؤخرا بدا ذلك الغرب يتراجع في صوته الرسمي عن ذلك الموقف الغريب ويتحدث عن أهمية الحوار وضرورة استمراره ووصوله لنتائج مرضية للجميع؛ لأن الأوضاع أضحت أكبر من التخفي وراء تلك المنظمات لتجاهلها وأصبح الحرج شديدا عن القرار الرسمي الغربي من الاستمرار في تجاهل الحقيقة والمماطلة المستمرة للسير في طريق من حركهم في البداية، لذلك بدا قادة الغرب يتحدثون عن الحوار ورأينا الرئيس الفرنسي يدعو لاستمرار الحوار ومعه الولايات المتحدة الأميركية تتحدث عن أهمية الحوار وتدعو لاستمراره خصوصا بعد أن كشف الإخوة في الجمعيات الخمس عن النية المسبقة لترك طاولة الحوار بصورة غير مباشرة.
الوضع الدولي ليس كالسابق ووصل الحال بالعالم إلى نبذ العنف في أي مكان، وفهم الجميع ربما أن الحوار هو الوسيلة الناجعة لحل المشاكل مهما كانت تلك المشاكل ومهما كانت حدتها والأمثلة على ذلك غير بعيدة ونراها في اليمن الذي سار في طريق الحوار وتوصل حتى الآن إلى نتائج مهمة وعملية تخص حالة الجنوب وتمنع انفصاله عن الشمال وتقسيم البلد إلى بلدين مرة أخرى، ثم نرى الأمر ذاته في تونس مهد الحركة الشعبية العربية الحالية، فقد وجد الجميع هناك أن الحوار هو الحل رغم مراوغة حركة النهضة ومحاولتها الالتفاف على الطاولة لعل وعسى، إلا أن الحوار مستمر وسيصل إلى نتائج، ونرى الحال ذاته في مصر التي ترفض جماعة الإخوان السير في الحوار؛ لأنها ترفضه من حيث المبدأ وتعتقد أنها أكبر من الجميع وبإمكانها تركيع الآخرين، ولكن مع ذلك يسير حوار من نوع آخر وبصورة سلمية للتوصل إلى نتائج وطنية.
ولكن الأمر لا زال مختلفا في المملكة؛ لأنه لا زال بيننا من يعتقد بأن الشارع وما يحمله من عنف وضحايا هو الطريق الصحيح ويصر هذا الطرف على ترك الطاولة، ويظن أنه سيحقق خارجها ما يعتقد أنه غير قادر على تحقيقه من حولها، ولكن ما نرجوه ألا يكون الوقت قد تأخر عندما يعود الصواب لتفكير من ترك الحوار ويعود بعد فوات الأوان عليه... والله أعلم.