كان يمكن أن تستمر جماعة الإخوان في مصر وغيرها على طريق الدعوة الوسطية التي عليها الدين الحنيف، وكان يمكن أن تلقى الدعم من الشارع ليجعل منها جمعية أو جماعة مرتبطة بالشارع وصاحبة منفعة عامة دينية واجتماعية، إلا أنه وللأسف الشديد ارتأت الجماعة أن تنتهج نهجا آخر غير ما كانت عليه ربما في بداية تشكيلها عام 1928 من القرن الماضي على يد خمسة أو أكثر من الأفراد الذين كانوا يرنون لتقوية الإيمان والدين لدى العامة ومواجهة الاستعمار حينها، واختارت طريقا آخر يتعارض والبداية التي كانت عليها حين أنشا مؤسسها المدرس في إحدى مدارس مدينة الإسماعيلية “حسن البَنَّا” تنظيما موازيا من أعضاء الجماعة اسماه التنظيم الخاص؛ ليحمل السلاح ويمارس العنف ظنا منه أن ذلك يخدم الدين والجماعة إلى الدرجة لتي دفعت بحسن البنا إلى التبرؤ من التنظيم؛ لدرء الشبهة عنه وعن الجماعة ولامتصاص غضب الناس على تلك الأفعال ومن يقوم بها.
وقد مارس ذلك التنظيم عمليات العنف في المجتمع المصري منذ بدء نشاطه، وقام بقتل العديد من المدنيين في حرب على المجتمع حينها وقبل ثورة 23 يوليو، ثم حاول مرات عدة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر وفشل في ذلك بسبب رفض الناس لذلك الفعل وارتباطهم بذلك الزعيم، وأحدث ذلك التنظيم بممارساته القطيعة بين الثورة المصرية والجماعة في أحداث 1954 ثم في المؤامرة على المجتمع المصري في عام 1965 من القرن الماضي.
ولم تهدأ الجماعة التي بدا فكر التنظيم يسيطر عليها وتقر العنف منهجا لها بعد وفاة عبد الناصر، بل أنتجت تنظيمات متفرعة منها كان أساس عملها هو العنف المجتمعي واغتالت الشيخ الذهبي منتصف السبعينات ثم السادات نفسه وهو الذي فتح لها ولعناصرها الباب على مصراعيه في المجتمع المصري ليحارب بها تراث عبدا لناصر وأفكاره وفشل في ذلك وفشلت الجماعة معه.
في منتصف الستينات تلاقت أفكار وممارسات التنظيم الخاص للجماعة مع أفكار سيد قطب وأنتج هذا التلاقح في الفكر والرؤية أغلب التنظيمات الإرهابية التي نعرفها الآن، ومعظم من يمارس التكفير للبشر ويرى في ذاته الإيمان أما الكفر فيربطه بمن يختلف معه في أي شيء، وبدأت أفكار الدعوة تتنحى جانبا لتحل معها أفكار العمل السياسي المربوط بالدين وسيطرت ممارسات وأفكار التنظيم الخاص على الجماعة بل سيطر على قيادتها جل من أنتجهم التلاقح الفكري بين سيد قطب والتنظيم الخاص لذلك نحت الجماعة في الكثير من المجتمعات إلى أعمال العنف حين يكون بإمكانها فعل ذلك أو الكمون في انتظار الفرصة السانحة لو رأت أن الموج أكبر من قدرتها.
وبسبب عدم قدرتها على الترجمة السياسية لما تريد، وبالتالي عدم إمكان وصولها للسلطة التي كانت أساس إنشائها منذ زمن، وبالتالي عدم القدرة على تحقيق الهدف بدأت الجماعة التي سيطر عليها التنظيم الخاص إلى التعاون مع الغير والخارج بل مع أعداء الأمة لتستعين بها على وطنها من أجل السلطة فقط، وهذا التعاون لا يخرج عن فكر الجماعة التي لا تعتقد بوجود الوطن من الأساس وتظن أنها تعمل من أجل الأمة وليس الوطن، لذلك استعانت بكل ذلك مؤخرا وأمور أخرى لا مجال للحديث عنها هنا استعانت بكل ذلك وقفزت إلى السلطة في غفلة من الآخرين ولم تستطع المحافظة عليها كونها غير قادرة على ذلك ولم تصدق قياداتها القادمة من التنظيم الخاص والفكر التكفيري أنها فقدت السلطة ربما للأبد، فبدأت في تنفيذ ما تعلمته ودرجت عليه من عمليات إرهاب وقتل للبشر في كل مكان من مصر مما دفع بالنظام الحالي ربما مجبرا على القيام بما لابد له من القيام به وهو اعتبار هذه الجماعة جماعة إرهابية وإعلان ذلك علنا من أجل تنفيذه في كل مكان.
هذا القرار قد يطال الكثيرين من الذين انتموا لجماعة الإخوان بداية في فهم غير دقيق لما تدعوا له قياداتها الحالية ظنا منهم بأنها جماعة خير ودعوة ونتمنى لهم العودة عما هم عليه بعد أن تكشفت الأمور وبانت الخفايا وضح للجميع من الذي وراء كل عمل عنيف يسود الساحة المصرية حاليا.. فهل هناك إساءة للجماعة من قبل التنظيم الخاص أكثر من ذلك؟ والله أعلم.