كما هي العادة، قامت قيامة البعض في مجلس النواب في استعراض للعضلات نعرف جميعا أنه بلا نتيجة ولا استمرار، بل هو فرقعة تنتهي في لحظة وقوعها، قامت قيامتهم بسبب الزيادة التي أقرتها الحكومة في سعر “الديزل” وأزبد البعض منهم في الحديث عن استصغار الحكومة للمجلس وعدم الاكتراث به أو بقراراته ومواقفه، وهذا القول من الحقائق القليلة التي يتحدث بها بعض الأعضاء، ثم هددوا بتعطيل الجلسات مع أننا جميعا نعرف أنهم سيعودون بعد قليل مع أننا نتمنى أن نكون على خطأ في هذا الفهم وأن يكون لهؤلاء الأعضاء موقف يتناسب والحدث ويحقق ما يقولون.
السبب في ما نقول أن المجلس لا يسير مع الشارع تماما، بل هو في واد والبشر في واد آخر؛ بسبب تعارض المصالح في الكثير من الأحيان وبسبب عدم توافق الأهداف عند الطرفين وضعف لغة التواصل بينهما، هذه أسباب تجعل المجلس غير قادر على تحقيق ما يريده الشارع، ومنها بطبيعة الحال قضية الدعم المقدم من الدولة للمواطن في السلع الأساسية، والأدهى من ذلك عدم القدرة على ضم بعض السلع غير المدعومة لتكون تحت مظلة الدعم خصوصا مع وضوح الهجمة على الأسعار في السنوات القليلة الماضية، وعلى الجانب الآخر، فإن الحكومة تعي كل ذلك وتفهم ما عليه الكثير من النواب من قدرة وتمكن، لذلك نجدها لا تأبه لما يقال ويصدر منهم، وتقرر ما تراه حقا من جهتها دون الوضع في الاعتبار ما يقوله أولئك الأعضاء، بل أحيانا تكون الحكومة أكثر قربا للشارع من المجلس - ليس في هذه القضية بالطبع - بل في أمور أخرى. الأمر الأكثر خطورة في رأينا مما سبق، وهو ما يتداوله الشارع حاليا حول النية أو الرغبة لدى الحكومة في احتساب زيادة في الرواتب تغطي الزيادة في أسعار السلع المدعومة من أجل رفع هذا الدعم وجعل السوق هو المتحكم في تلك الأسعار وهو أمر على درجة كبيرة من الخطورة لو تم لا سمح الله، لأن هذه الزيادة ستغطي جزءا من الارتفاع في الأسعار عند احتسابها وستبقى جامدة ربما لسنوات عديدة، ولكن الأسعار أو زيادتها ستنفتح على مصراعيها وسيتحكم رأس المال والسوق ومعهما مبدأ أو نظرية العرض والطلب في زيادة الأسعار وسنصل يوما ما مع التضخم إلى عدم جدوى وفائدة أو قيمة تلك الزيادة وعدم تأثيرها على الدخل وسيتضاءل دخل الفرد المواطن مقارنة بأسعار المواد الأساسية، ونقول ذلك لأن الدولة لن تكون قادرة في المستقبل على مجاراة الارتفاع في الأسعار وزيادة القيمة المضافة للرواتب بما يناسب زيادة تلك الأسعار، والسبب في ذلك محدودية الموارد في الدولة بل ربما انخفاضها مستقبلا، ولم تصل الدولة إلى زيادة ذلك الدخل عن طريق البحث عن بدائل أخرى لذلك الدخل.
والحل في الحقيقة يكون بتقنين الدعم كما هو الحال في بعض الدول الخليجية التي يزيد دخل الفرد فيها عن المواطن البحريني بكثير وخفض أعداد المستفيدين من الدعم الحكومي لينحصر في المواطن فقط وليس الجميع وبالتالي تخفيض ما تقدمه الدولة من أموال لذلك الدعم وتكون حينها قادرة على زيادة المواد الخاضعة أو الواقعة تحت سقف الدعم. هذا ما على النواب العمل عليه ومحاولة الوصول إليه، وليس الصراخ ومناطحة الحكومة في قضية جلسات المجلس ذاته؛ لأنهم في آخر الأمر لن يتمكنوا من مواصلة وقف انعقاد الجلسات إلى ما لا نهاية، وسيعودون في موقفهم وكلامهم كما عادوا من قبل والأمثلة كثيرة لأصحاب الذاكرة القوية.. والله أعلم.