ربما لم أستطع الاستماع لمجمل حديث فضيلة الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق ولكن ما أتيح لي هو الاستماع لكلمات محدودة أذيعت من خلال بعض النشرات الإخبارية ولكن ما استمعنا له إن كان صحيحا فإنه قد يكون كافيا للحديث حول ما دار في ذلك اللقاء الذي جمع أفراد وضباط القوات المسلحة والشرطة في مصر العروبة.
لم أكن أتوقع أن استمع لمثل تلك الكلمات من شيخ بمكانة الدكتور علي جمعة وهي نفس نوعية الكلمات التي كنا ومازلنا نرفض صدورها من التيارات المسماة بالتيارات الدينية التي تريد احتكار الدين والهيمنة عليه ونبذ الآخر إلى درجة تكفيره وإخراجه من الملة، وإذا كان الحديث بمجمله يصب في نفس الاتجاه فليسمح لي فضيلة الشيخ في إلقاء الضوء على خطأين لازما ذلك الحديث وما كان لفضيلته أن ينزل إلى هذا المستوى الذي انتقدنا بشدة غيره من أصحاب اللحى أو العمائم حين انتهجوه.
لقد سار الشيخ وللأسف الشديد على طريق تكفير الآخر ممن يشهد بأن لا إله إلا الله وهم هنا جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومن يقف معهم وهو أمر يصل إلى درجة الخطورة في التعامل مع الغير وهو في نفس الوقت احتكار للدين من قبل جهة واحدة ترى أنها على حق وغيرها على باطل وهذا أمر غير صحيح حتى دينيا على حد علمنا البسيط، ومع أننا نختلف كثيرا مع تيار الإخوان ومن يستخدم الدين كوسيلة لأغراض السياسة وننتقد أسلوبهم في العمل والكثير من أفكارهم وبالذات الأفكار التكفيرية ولكننا في نفس الوقت لا يمكن أن نقبل من أية جهة أخرى أن تطلق صفة الكفر عليهم وعلى غيرهم وبالذات كوادرهم التي لا شأن لها بما تمارسه قيادات التنظيم.
ليس من الصحيح أن يقوم الشيخ بتحريض الجالسين أمامه وهم من أصحاب القوة المادية سواء كانوا من الجيش أم من رجال الأمن أن يحرضهم على خصوم الوطن الحاليين خصوصا أولئك الذين يخرجون في مسيرات غير عنيفة لأنه بهذا التحريض قد يصل التفكير عند بعض الجالسين أو من يستمع إلى تلك الكلمة إلى درجة صعوبة التمييز بين من يمارس المعارضة السلمية ويخرج للتعبير عن رأيه وبين أولئك الذين يحملون السلاح لإجبار الآخرين على الخضوع لرأيهم فالفرق كبير بين الطرفين، طرف يستحق التحاور معه سلميا والتعامل معه بصورة ديمقراطية متحضرة، وطرف لا يعرف غير العنف وبالتالي يجب التعامل معه بنفس الصورة العنيفة لأن رجل الأمن في هذه الحالة يدافع عن نفسه وعن الوطن والمواطنين ويؤدي ما عليه من واجب تجاه أولئك المواطنين.
ليس كل من يخرج في مسيرات في الوقت الحالي هم من جماعة الإخوان أو حاملي فكرهم بل منهم بعض الغافلين عما يجري وعن حقيقة الجماعة ومنهم المحتاجون الذين يقبضون نظير خروجهم ويهدفون للمصلحة المادية فقط وهو ما يعني ضرورة التمييز بين الأطراف المختلفة التي تنزل إلى الشارع وعدم وضع الجميع في سلة واحدة وما سمعناه من فضيلة الشيخ أو الجزء الذي استمعنا له من كلمته لم يمارس ذلك التمييز وهو ما نربأ به عنه.
هل فكر فضيلة الشيخ أنه يتحدث أمام جمع ممن بيدهم القوة المادية وجلهم من الشباب الذين يمكن أن يروا في حديثه فتوى تبيح لهم استخدام القوة بحق المتظاهرين لأنهم – أي هؤلاء الشباب – يواجهون ألوانا مختلفة من العنف من بعض التيارات، وبالتالي يرون الجميع في صورة أصحاب العنف ويعتقدون أنهم يمارسون عملا صحيحا بعد سماعهم لما يشبه الفتوى الشرعية من مصدر أُوكِلَت له سابقا إصدار الفتاوى الشرعية للأمة جمعاء؟.
إذا كنا نرفض العمل غير الصحيح من جهة فلا يمكن لنا قبوله من جهة أخرى حتى لو كانت تلك الجهة هي المفتي نفسه، فلكل إنسان عقل يفكر به ويرى الحق من الباطل ولا أظن أن القتل أمر صحيح دون عذر شرعي ودون أمر قضائي وإلا أصبحت البلد في حالة من الفوضى وانعدام الأمن المرفوض من الجميع.
نتمنى لو تذاع تلك الكلمة بكاملها لكي نستطيع الجزم بصحة أو خطأ ما ورد فيها لأن ما سمعناه كان مجرد جزء فقط ربما أسيء استغلاله أو تم استخدام بعض كلماته في غير موضعها الصحيح... والله أعلم.