لا أذكر أنني استمعت إلى إذاعة البحرين يوما في برنامجها الصباحي إلا وكانت شكاوى الناس تدور حول أمرين هما الصحة والإسكان مع أن نداءات المشاكل الإسكانية تأخذ الحيز الأكبر في جميع الاتصالات ونسمع بعض ردود المسؤولين في الوزارة لا تخرج عن طلب الرقم والاسم للبحث والتحري وكأنهم في إدارة المباحث الجنائية وليس في وزارة خدمية وتكون النتيجة في آخر الأمر... لا شيء.
لأربعة عقود من الزمن تقترب من أربعين عاما عمر وزارة الإسكان والمشاكل نفسها لم تتغير بل نراها تزداد سنويا وتتفاقم، القائمون على الأمر يرددون نفس الاسطوانة التي أصابها القدم واهترأت من كثرة تشغيلها على مسامع المواطنين مع أن تعداد البشر يزداد بوتيرة متسارعة ولكن تنفيذ الحلول – إن وجدت – يسير ببطء شديد يزيد من المشكلة بدلا من المساهمة في حلها أو على أقل تقدير التخفيف من حدتها كمرحلة سابقة للحل.
السكن يمثل جزءا من مكونات العدالة الاجتماعية التي ينادي بها الجميع ويطالب به كل من يفهم في حقوق الإنسان أو يحارب من أجلها أو يدعم تطبيقها في المجتمع ولكن وجود المشكلة يعني أن هناك خرقا لتلك العدالة وانتفاء لها وانتقاصا لتلك الحقوق الإنسانية التي جسدتها الشرائع السماوية وعلى رأسها الدين الإسلامي... بل ما نراه تجسيد لمبدأ آخر حاربه الإنسان ألا وهو عدم المساواة التي يشعر بها المواطن في كل مكان يكون فيه... في الشارع... في العمل... في مواقع الخدمات التي تقدمها الدولة، ومع ذلك يتحدث المسؤولون عن سيرهم على المساواة وتطبيقهم لها ورغبتهم في شيوع العدالة بمطلقها في المجتمع ومنها العدالة الاجتماعية ومع ذلك لا نجد تطبيقا لتلك الأقوال على أرض الواقع التي منها قضية السكن وقضية الرعاية الصحية.
قلنا في هذه الزاوية قبل ما يقرب من عامين إن موقع المسؤولية في الأماكن الخدمية التي لها علاقة مباشرة بالإنسان واحتياجاته من الضروري أن يكون على رأسها من يشعر مباشرة بتلك الاحتياجات ويرى المعاناة التي عليها المواطن والأفضل من ذلك أن يكون قد عاش المعاناة ولسعته الحاجة، أما أن يكون على رأس المكان من لا يعرف تلك المعاناة إلا بالقراءة النظرية والسماع من بعيد كونه بعيدا عنها منذ ولادته ولم تكن له حاجة فإن ذلك لن يخلق من يفهم الحل والمشكلة وسيساهم في بقاء واستمرار بل وتفاقم المشاكل المجتمعية.
الصحة والسكن ليسا من الأمور الكمالية الترفيهية بل أساس تقوم عليه الحياة ذاتها، وهي أمور تخلق مواطنا منتميا من مواطن غير منتم... مواطن منتج إيجابي أو مواطن خامل سلبي ويمكن أن تقلب المواطن من مساهم في البناء إلى معاون على الهدم.
أربعة عقود ونحن نسمع عن مشاريع إسكانية وتوجه لحل مشكلة الإسكان، وكل ما جاء وزير أتحفنا بالتصريحات المتتالية التي يوهم بها المواطن بقرب الحل وانتهاء المشكلة ولكنه شيئا فشيئا يبدأ بالحديث عن العقبات التي لا تظهر إلا أمام المواطن العادي صاحب المشكلة، والصحة هي الأخرى تسير على نفس النمط، فلن نتحدث هنا عن الأخطاء التي أودت بحياة بعض المواطنين كما رأينا منذ أيام، بل عن ضعف الرعاية الصحية للمواطن الذي يمكن أن ينتظر أسابيع إن لم يكن الانتظار شهورا ليرى اختصاصيا في مجال معين وهنا لا يمكن توجيه اللوم للاختصاصي بقدر توجيهه للنظام الصحي وشح الإمكانات المقدمة مع أن هذه الإمكانات يمكن خلقها لو خلصت النية لأن هذه الإمكانات لا تشح إلا أمام المواطن العادي.
كيف يشعر بمعاناة المواطن من انقطعت العلاقة المجتمعية بينه وبين المواطن... كيف يشعر بالضيق الذي عليه المواطن من يمتد سكنه ويتشعب ويفيض عليه بل يمكن أن يملك مواقع سكنية... كيف يشعر بالمواطن من نجده يترفه سنويا خارج الوطن... ليس طلبا للعلاج ولكن سعيا وراء الترفيه.
هذا فقط جزء يسير من معاناة الإنسان في أي مكان ومن هذه الأماكن المملكة وبالتالي ليس من الصحيح أو الممكن أن نتحدث عن العدالة بصورتها المطلقة أو الاجتماعية على وجه الخصوص في ظل وضع هذه مناقبه ولا يمكن أن نقول بوجود مساواة في ظل ما نراه من تمييز وإن قلنا ذلك فقدت الكلمات والمصطلحات معانيها... والله أعلم.