هل هي حقيقة أن من نشرت أسماؤهم في الصحف يوم الثلاثاء هم الذين قاموا بعملية التفجير بالرفاع منذ أيام، وخططوا قبل ذلك، وأعدوا العدة وسرقوا سيارتين، ثم وضعوا إحداهما قرب الجامع، وفعلوا كل ذلك من تلقاء أنفسهم، هل هم الأعداء الحقيقيون، والمجرمون حقيقة أم إن الأمر غير ذلك ويختلف عما هو ظاهر، وإن الحقيقة تكمن في من خلف كل ذلك والجرم الكبير يقع على من يجلس خلف الكواليس يخطط ويمول ويسهل العمل لعدد من الشباب فاقدي الوعي؛ ليقوم بما يراد له أن يقوم به.
هؤلاء مغيبون عن الواقع ويعتقدون أنهم سيغيرون التاريخ بهذه الأفعال مع أن ما يقومون به لا علاقة له بالتاريخ من قريب أو بعيد، ويظنون أن ما يفعلون يمثل الثورة والوطنية والحقيقة التي لا يرونها أن تلك الأعمال لا علاقة لها بالوطنية والثورة بقدر ارتباطها بالجريمة والإرهاب والخيانة الوطنية.
ما يحدث لن يحقق مطلبا ولن يجمع صفا ولن يقيم وحدة بين أبناء الشعب الواحد، بل سيبعد المطالب الوطنية عن التحقيق ويشق الصف أكثر مما هو منشق وسيصل الأمر بالمواطن الطبيعي إلى البحث عن الأمن بالدرجة الأولى وترك المطالب الأخرى. فهل هذا ما يرنو إليه من قام بتلك العملية ويمارس هذا النوع من الأعمال منذ أشهر عديدة أم ماذا؟
لم تعد هذه النوعية من الأعمال مطلوبة ومفيدة، ربما كان ذلك ممكنا في فترات أخرى منذ عقود عندما كانت البلاد مغلقة على العباد ولا يعرف الإنسان ماذا يجري على بعد أميال قليلة منه. أما الآن، فإن كل شيء أصبح مباحا ويمثل سيفا ذا حدين، فمن يظن ممن يمارس العنف على الآخرين أن ذلك سيكون في صالحه وصالح (قضيته) -إن كانت لديه قضية– ويمثل ضغطا على الدولة يجعلها ترضخ لما يريد حتى ولو كان ما يريده خطأ، فإن الحقيقة أن الدولة تكون أقدر منه على استخدام تلك الوسيلة وأقدر منه على إيصال الحقائق للغير مما يبعد عنه وبسبب جرائمه عطف ذلك الغير.
هل حدد أولئك المغيبون الدافع وراء تلك الأعمال وماذا يريدون حقيقة من وراء تلك الجرائم التي يمارسونها بحق المواطنين، وهل هي من أجل المزيد من الديمقراطية والمشاركة في صنع القرار، وإذا كان الأمر كذلك هل وسيلة تحقيق الديمقراطية هي القتل وحرمان الآخر من حريته؟ وهل من يريد الجنة يصل إليها بممارسة المحرمات والبعد عن الحق والعدل؟ لا أظن، بل العكس هو الصحيح؛ لأن هذه الأعمال تدفع بالغير إلى التنازل عن حقه في الديمقراطية وبعض أنواع الحرية من أجل الحصول على الأمن، وهذا ما يتردد من دون فهم من قبل من يردده (حسب رأيي)؛ لأن فقد الأمن يعني فقد كل شيء، ويعني ضياع الحرية والعدالة وكل شيء والعودة إلى ما قبل الدولة.
لقد تعرض أولئك الشباب من الذين يمارسون تلك الأفعال، تعرضوا للكثير من عمليات غسل الدماغ والشحن الدائم ضد كل شيء إلا شيء واحد يراه من يحرض أنه الحق مع أنه الباطل كما يراه الآخرون، فلسنوات طويلة وهم يتعرضون لتلك العملية التي تبعدهم عن المجتمع وتوهمهم بالبطولة المزيفة في مثل ما يقومون به من جرائم في حق مجتمعهم ومن يشاركهم العيش ضمن ذلك المجتمع.
ما تم من تفجيرات في الرفاع وقبل ذلك يعني أن ذلك تم بخبرة لا تتوفر بسهولة وغير متوافرة في مجتمعنا كذلك، فمن أين استقى أولئك خبراتهم الكيميائية والفيزيائية والفنية لإتمام أعمالهم ... الله أعلم.