تمر بنا هذه الأيام الذكرى الحادية والستون لثورة يوليو المجيدة، والتي بالرغم مما واجهته في فترة السلطة والزعامة وبعد السلطة والزعامة، إلا أنها وباستمرار ترفض السكوت أو السكون، وتأبى الركون، وتصر باستمرار على الظهور بصورة دائمة في فكر الناس، وبالذات في المناسبات الوطنية والأوقات العصيبة التي تمر بالوطن، وهو ما يعني حيويتها وبقاءها حية في باطن شعور الناس.
ما سبق ليس مجرد كلام إنشائي أو عاطفي أو نوع من اجترار الماضي، وفي الوقت نفسه لسنا نحن من نقوله، بل قالته الجماهير التي اجتاحت الوطن العربي طوال العامين الماضيين وبالذات مؤخرا في الأيام الماضية في مصر العروبة، وهي الأيام التي أعقبت سقوط حكم الإخوان في مصر، والإصرار من قبل الناس على أن تكون صورة قائد ثورة يوليو هي الصور الوحيدة المرفوعة على رؤوس البشر، وكأن أولئك البشر يوجهون رسالة ضمنية مفادها أن هذا هو الزعيم الحقيقي، وهذا الذي كان يسير على الخط الصحيح، وأن هذا هو الرجل الذي قدم ومن معه الكثير للإنسان والوطن مما لم يستطع من أتى بعده أن يمحو أثره بالرغم من المحاولات التي لم تنقطع حتى الآن.
وللتدليل على حيوية ذلك الفكر والمنهج وصحته يمكن لمن يتابع أن يلقي نظرة سريعة على الشعارات التي رفعت على الرؤوس والأهداف التي وضعت للثورة العربية الجارية، والمطالب التي نادت بها الجماهير في الشوارع والميادين لنجد أنها جميعا شعارات وأهداف ومطالب لم تكن بعيدة عن مسار ثورة 23 يوليو 1952، بل كانت لصيقة بها وجزء منها وعملت تلك الثورة على تحقيق تلك الأهداف والمطالب وحققت بعضها في الوقت القصير التي كانت فيه الثورة سائرة قبل أن تتوقف عام 1971 كبداية وعام 1975 كحقيقة، بل إنها حققت كل ذلك بالرغم من كل الحروب التي مورست ضد مصر في ذلك الوقت.
السبب الكامن وراء النجاحات التي حققتها الثورة المصرية تحت قيادة عبدالناصر في ذلك الوقت بالرغم من الإمكانات المتواضعة التي كانت لديها مقارنة بما لدى من أتى بعد ذلك هو أن تلك الثورة كانت ترى المواطن الإنسان والوطن في كل ما تقوم به دون تمييز بين المواطنين ولم تكن تنظر إليهما من خلال تنظيم أو نظرية فكرية أو مصالح ذاتية؛ لذلك استطاعت أن تحقق ما حققته من أهداف ونتائج، والتي لو سارت عليها وحاولت استكمالها الأنظمة التي تلتها منذ العام 1971 وحتى الآن لكانت مصر غير ما هي عليه اليوم، ولما كانت بحاجة لمساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها، ولكن مصر حادت عن الطريق الإنساني والقومي التي كانت عليه في ذلك الوقت، واتخذت طريقا آخر لا علاقة له بالإنسان والوطن.
من أتى بعد عبدالناصر كان مختلفا، فقد كان السادات -رحمه الله- يرى نفسه في كل ما يفعل في نوع من حب الذات العميق، وكان مرتبطا بصورة غريبة بالغرب والولايات المتحدة الأمريكية بالذات. أما مبارك، فلم يكن يعرف شيئا عن كل ذلك، وكان الشخص الخطأ في المكان الخطأ، ودمر كل ما فعلته ثورة 23 يوليو، ثم أتى الإخوان المسلمون الذي وصلوا إلى الحكم بطريقة شرعية ومن خلال الصناديق كما يقولون، ولكنهم كانوا يحملون إرثا معاديا لتلك الثورة، ولكنهم فوجئوا بما يحمله الشباب من حب لها – أي لتلك الثورة – وفي الوقت نفسه لم يكونوا ينظرون فيما يفعلون من خلال المواطن والوطن المصري بقدر ما كانت نظرتهم من خلال التنظيم والجماعة وما يمكن أن يحققه ذلك التنظيم من السلطة التي وصلوا إليها، ولم تكن مصر أو الشعب المصري مهما بقدر أهمية الأممية الإسلامية، وهنا يكمن الفرق بين الفترتين، ومن هنا أتى فهم الشعب المصري لكل ذلك مما دفع به للتمسك بتاريخ ثورة 23 يوليو ورفع صورة زعيمها في المسيرات في الوقت نفسه الذي قام فيه بطرد الإخوان من السلطة بعد سنة واحدة فقط ... والله أعلم.