قبل سنوات عدة سافرنا لزيارة بعض العلماء ومنهم الشيخ عبدالكريم الخضير لسؤاله عن نازلة من النوازل، حينها طلب العلامة الخضير أثابه الله أن نسرد عليه القضية بتفصيل شديد.
وبعد التفصيل أخذ الشيخ أثابه الله يتشاور معنا حول قضيتنا حاصرا الحوار في ثلاثة مسارات: الصعود أي من الأسوأ إلى الأفضل، أم الثبات، أم النزول من الأفضل إلى الأسوأ مبينا أن الحكم الشرعي قد يتغير بحسب ذلك!.
حينها عادت بي الذاكرة إلى بعض الدروس المهمة التي تلقيناها في أصول الفقه، وتحديدا فيما يسمى الوعي المقاصدي، وهو الوعي بالهيكل العام للشريعة، والمقاصد العامة للدين، والغايات الرئيسة والأهداف والكليات.
إن غياب الوعي بهذه المقاصد العامة أو الأهداف الرئيسية سواء في الشريعة الإسلامية أو في مجال السياسة أو الاقتصاد أو غيرها يسبب لبسا فتختلط الأمور وتزل الأقدام.
أما الراسخون المؤيدون من الله عز وجل فهم الذين يوفقهم الله في الأمور لكلياتها ومقاصدها الرئيسة، فيسهل عليهم القرار، لأن الرؤية عندهم أوضح من غيرهم.
هذا المفهوم بالمناسبة لا يقتصر فقط على الشرع المطهر، وإنما ينسحب على بقية مجالات الحياة. ففي كل مجال ثمة مقاصد عامة، وغايات كلية، كما أن هناك ما دون ذلك من جزئيات وتفاصيل ووسائل.
أحيانا يحدث تعارض بين المصالح، وربما تناقض بين الكليات والجزئيات، هنا تظهر أهمية فقه المقاصد وقواعد الفقه.
في الدين مثلا هناك الضروريات الخمس، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال، وهي مرتبة من الأهم إلى المهم، وزاد بعض العلماء مقصدا سادسا وهو حفظ الأعراض. ثم الضرورات ثم تأتي الحاجات ثم التحسينات والتكميلات التي تضيق أو تتسع كما يقول الأصوليون بحسب الأحوال.
ماذا نريد أن نقول بعد هذه المقدمة؟ نريد أن نلفت أو نوجه للجواب من خلال فقه المقاصد على الكثير من الأسئلة التي تطرح ويخبط الناس فيها خبط عشواء في ليلة ظلماء، دون أن يقيسوا ذلك على المقاصد الكلية العامة.
العمل الناجح يضع خطة على عدة مستويات، فيبدأ من الأهداف الكبيرة أو كما هي بلغة الفقه المقاصد العامة للأمور، ويركز على الأصول، ويستحضر دائما الركائز الأساسية.
الموقف الموفق هو الذي يقدم أمهات المسائل على التفاصيل والجزئيات مع عدم إغفال هذه الأخيرة ولا إلغائها، إنما إعطاء كل مستوى من الأهداف حقه ووزنه.
في الشريعة مثلا هناك أركان وواجبات وسنن ومستحبات ومباحات ونحو ذلك، ومن حق كل عاقل أن يعيب حفظ الجزئيات بتضييع الأركان.
الشعائر التي شرعها الله تعالى لها غايات يراد الوصول إليها من خلال الفعل، ولذلك لم تنقذ الصلاة المرأة التي كانت تؤذي جيرانها، فما فائدة الصلاة إن لم تؤت ثمرتها وتقر بها التقوى في القلب، فتمتنع الجوارح عن إيذاء الجار.
وإنما تحدث الفتن حين يغيب فقه المقاصد ويقع التنازع في الجزئيات، ويكون التعصب للأشخاص أو ضدهم، ولا للمبادئ والأفكار والمصالح المشروعة.
ما تمر به بلاد المسلمين عموما وبلادنا خصوصا يستدعي من العلماء تحليله وعلاجه بناء على الفقه المقاصدي. ما تمر به بلاد المسلمين؛ مرحلة لها إيجابياتها وسلبياتها.
وما تمر به البلاد ليس بيسير، وهناك ثمن لكل قرار، وهناك تبعات لكل اختيار. وهنا تبرز قيمة التركيز على المقاصد الكبار، ولو انغمرت في بحرها بعض الجزئيات والتفاصيل.