منذ أن اتضحت معالم الثورة السورية، والوصف الذي يلوح أمام عيني ويتأكد يوما بعد يوم، وأرى أنها تميزت بها عن غيرها هو أنها “ثورة كاشفة”.
كشفت الثورة السورية حقائق كان البعض ينفيها أو يتردد في إثباتها، وهي حقائق يدركها كل من وزن الأحداث بميزان الشريعة، لا بميزان العاطفة.
أوّل من كشفته الثورة بل عرّته تماما، هو ذلكم الحزب الذي يدعي أنه حزب الله، إذ ورغم كل ما بينه العلماء وأصحاب البصيرة حول تاريخه وأهدافه وممارساته الطائفية، إلا أن الكثيرين كانوا مخدوعين فيه.
الثورة السورية كشفت عن الوجه الحقيقي لحسن نصراللات وحزبه، وتأكد للعامة ما أبصره الخاصة، فمزق الناس صور زعيمه وحذفوه بالنعل، وكسروا أعلام الحزب وداسوها بالأحذية، وندموا على تأييدهم له.
ولا حاجة للقول إن الثورة كشفت بعد الحزب، من يقف وراءه ويشد عضده، ويدعمه مذهبيا ولوجستيا وسياسيا، ويمده بالمال والسلاح، نعم إنها إيران ومن يتبعها كحكومة العراق.
وانكشف مع هذين من يتبعهما من الطائفيين أو أشباه المثقفين من العلمانيين الذين كانوا ولا يزالون يتبجحون بحقوق الشعوب، وظلم الحكومات، لكنهم وقفوا مع الظالم ضد المظلوم، بل قاتل بعضهم ضد عموم الشعب السوري بسبب الطائفية أو كرههم للإسلاميين.
كشفت الثورة السورية أيضا حزب البعث الذي يرفع شعار العروبة، وإذا به يؤكد تاريخه الدموي القديم في العراق وسوريا، ويقدم أخس النماذج على ما يمكن أن يصل له الظلم والانحطاط والقسوة وهو ما تجرعه السوريون على مدى خمسين عاما.
كشفت الثورة السورية أيضا حقيقة النظام العالمي، والذي يفضل البعض أن يطلق عليه (اللانظام)، وكيف تبني الدول الكبيرة مواقفها على أساس مصالحها وحقوق مواطنيها، وليس حقوق الإنسان.
فرغم مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وملايين المهجرين، ورغم المجازر البشعة، وما أقدم عليه النظام السوري من جرائم؛ لا زال العالم يهتم فقط بما إذا كان النظام السوري قد استخدم السلاح الكيماوي أم لا؟
أن يقتل النظام الآلاف بالسلاح أو المتفجرات أو السواطير والسكاكين أمرٌ، وأن يقتل عشرة أو عشرين بالكيماوي فهذا ما لا يسكت عليه!
أما الطرف الأخير الذي كشفته الثورة أكثر مما هو مكشوف لكل عالم وعاقل، فهو تلكم الشراذم المنتمية للتنظيمات المتحجرة مثل القاعدة و”داعش” والتي هي أحق باسم “فاحش”.
هذه الجماعات التي كانت ولا تزال مصدر ضرر للمسلمين قبل غيرهم، وشؤم على الإسلام والملة والمذهب. ووالله ما سمعت بوجودهم في بلد أو في قضية إلا وتوقعت أنهم سيفسدون فيها أكثر مما يصلحون، وسيقفون بغبائهم وتعنتهم حجر عثرة فيها، وسينقلبون بتطرفهم المعهود على أهلها كالمدية العوجاء.
تنظيم “فاحش” وما شابهه من الخرقاء المخترقين؛ عرفهم - أو ينبغي أن يكون قد عرفهم - كل ذي عقل أو شبه عقل، وعرف شؤم جماعاتهم وأمرائهم وبيعاتهم ووكلائهم في بلادنا وبلاد المسلمين.
لا يتعارض هذا طبعا مع أن جماعات داعش وفاحش قد يكون فيهم أو قد انضم لهم بعض الأخيار المخلصين للإسلام، والمحبين للجهاد بغفلة عن حقيقتهم، أو بجهل عن كلام العلماء فيهم، وبتعامي عن ثمارهم السامة، وهؤلاء - أعني المخلصين - سوف يخلصهم الله تعالى ويبصرهم إن كانوا ينشدون الحق، وقد بدأت طلائع الانشقاقات بالفعل.
إنها فعلا الثورة الكاشفة، ولا غرو أنها قد تمتد إلى حين، ربما لأن الله عز وجل يريد أن يكشف المزيد من الأطراف، ويريد أن يطهر أرض الشام من كل خيانة وانحراف ودخن.