يبدو للناظر من الوهلة الأولى أن من أصبح أميرا في بلد ما، فإنه قد حاز السبب الأعظم من أسباب السعادة في الدنيا. لكن نظرة فاحصة لما ورد فيه من الآيات والأحاديث تجعل المرء يتأنى حتى في أن يحلم بهذا المنصب.
ولهذا وكما ذكرنا في مقال سابق نقلا عن الإمام النووي رحمه الله تعالى؛ فقد كان كثير من السلف الصالح يتحاشى الإمارة ويتجنبها خشية من تبعاتها.
الإمارة إذا مهمة خطيرة؛ أبدًا، فإن الأمة لا يكون لها شأن إلا بجماعة، ولا تكون الجماعة إلا بأمير، ولا أمير إلا بعقد بين الطرفين، وما الطاعة والنصح والاستقرار والولاء ومنع الخروج بلا مبرر شرعي إلا بعض بنود هذا العقد.
فماذا يعني أن تكون أميرًا؟ وما هو التكييف الشرعي لعقد الخلافة أو الإمامة أو الإمارة بين الإمام وبين الأمة؟ ماذا عليه لها، وماذا عليها له؟ وهل نظّم الإسلام هذه العلاقة؟
لا شك أن لمنصب الإمامة أهمية كبرى في أي دولة، ولذلك وردت بشأنه نصوص كثيرة، واهتم العلماء ببيان أحكام الإمامة، الخلافة، الإمارة، والملك، وتعريفها، ووجوبها، ومقاصدها وطرق انعقادها المشروعة وغير المشروعة.
كما فصل العلماء في واجبات الإمام وحقوقه، وفي أهل الحل والعقد والشورى وأيضا عن أحكام العزل، والخروج وأسبابهما ووسائلهما، ومتى يجوزان ومتى يحرمان، وبينوا أحكام تعدد الأئمة.
البعض للأسف الشديد يتحدث عن هذا الموضوع بتبسيط مخل، ويكتفي بمنح كافة الحقوق للإمام أو الأمير، والتعتيم على واجباته أو على حقوق الأمة عليه.
ليس هذا بل إن البعض - شعر أو لم يشعر - جعله محصنا من كل جهة، فهو يدير الأمة لوحده ولو بلغت أعدادهم مئات الملايين، ولا يجوز نصحه إلا سرا، ولا يجوز الإنكار ولا محاسبته على أخطائه، ويجعلونه غير ملزم لا بشورى ولا برأي الأمة (المليونية) كلها، فضلا عن رأي أهل الحل والعقد!!
أقول خلافا لهؤلاء فإن منصب الإمامة يمكن أن يحدد وجهة الدولة كلها، ومنزلة الدين فيها، وعلاقتها بغيرها، ومصير الشعب ومصالحهم، ولهذا فإن الإمام مسائل في الدنيا والآخرة، وعليه رقابة من الناس جميعا والعلماء خصوصا، وأهل الحل والعقد والقضاة وغيرهم.
ولهذا فهو موضوع متسع وشائك ومتشعب ومسائله كثيرة ولا يمكن تلخيصه بكلمتين، وهو متعلق بالعقيدة والفقه والبيوع والصلاة والجهاد والحرب والصلح والقضاء والزواج ومعايش الناس والحدود، وإحياء السنة ومكافحة البدع والانحرافات وغيرها من الأبواب.
إذا ماذا يعني أن تكون أميرا مسلما على المسلمين؟ يعني كما قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا”.
الإمامة معناها كما بيّن الإمامان الماوردي والإيـجـي رحمهما الله تعالى أن تخلف النبوة في إقامة الدين وحراسته وسياسة الدنيا به.
ويعني كما قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى أن تكون رئيسا تاما وزعيما على الخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا. ويعني كما قال النسفي رحمه الله تعالى أن تنوب عن الرسول عليه السلام في إقامة الدين.
ومعناها عند ابن خلدون رحمه الله تعالى أن يحمل الخليفة، الإمام، أو الأمير الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به. وللحديث بقية.