أضحكني كثيرا الموقف الشجاع والبطولي الذي تبناه أصحاب السعادة النواب حينما انسحبوا جميعا من جلسة الأسبوع الماضي احتجاجا على رفع الدعم عن الديزل، المضحك هو انسحاب النواب عن بكرة أبيهم دون أن يتقدم أي منهم بوجهة نظر مدروسة عن سبب انسحابه، فالنائب السلفي المؤمن بطاعة ولي الأمر صارت قناعاته مثل النائب اليساري مثلهما مثل النائب الملا الشيعي والنائب القومي، أليس مجلسنا النيابي يشبه الكوميديا السوداء؟
تفحصت كل الحيثيات، لم يدل أحد من النواب رأيا واحدا بالإمكان الاعتماد عليه كوجهة نظر ناضجة ورصينة لهذا الانسحاب الذي أطلق عليه أحد النواب أنه إجراء من عيار إجراءات مجلس 1973 في إشارة إلى أن هذا المجلس يضاهي مجلس ذلك العهد الذي تتغنى به المعارضة والشارع، أضحكني فعلا وتذكرت المثل الشعبي (الناس في الناس والقطوة في لنفاس).
عرفت بما لا يدع مجالا للشك بأن كل هذه الزوبعة عبارة عن استعراض أجوف، ومحاولة لحلب الملفات حتى وإن كانت كل الملفات ذكورا لا يرجى منها حليب، إن ملفا مثل ملف الدعم قضية تؤرق العالم أجمع وليس البحرين وحدها، وتهدد أنظمة أوروبية مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا، بينما نوابنا يستذكون باستعراضات دعائية سيضحك العالم كله عليهم ولست أنا فقط من سيضحك عليهم.
ربما سيقول أحد المتاذكين من النواب بأن اعتراضهم ليس على الملف وإنما على طريقة تعامل الحكومة في اعتماد آلياته، حينها سيجر هذا النائب أو ذاك مشكلة كبرى على النواب جميعا، حيث سيشعل ساحة الحوار بأسئلة موضوعية لا يمكن تجاوزها، وهي ما مدى وعي السادة الأعضاء على اختلافهم - مع احترامي للجميع - بالصلاحيات الدستورية لسلطات الدولة؟ ومن ثم أين تقع هذه الخطوة التي تبنتها الحكومة؟ وعليه هل ما طرح دستوري كأجراء أم لا؟ ولو افترضنا جدلا بأن الإجراء غير دستوري، هل تعنتت الحكومة وأصرت على تجاوزها للسلطة التشريعية بحيث تدفع الشامي والمغربي على تبني موقف واحد بهذا الشكل الاستثنائي؟
من يستطيع من النواب الإجابة على هذه الأسئلة ليخرج توصيف انسحابهم من الغوغائية والاستعراض المضحك إلى حالة من احترام صرامتهم في التمسك بالمبادئ الديمقراطية، والرغبة في ترصين عمل السلطة التشريعية وإثبات شخصيتها بين بقية السلطات؟
على النواب جميعا قديمهم وجديدهم أن ينتبهوا إلى أنهم يشكلون مجلس نواب البحرين، البلد الذي بدأ التعليم النظامي فيه قبل (100) سنة، وهذا يعني أننا نملك ما يكفي من العقول في مختلف المجالات التي بإمكانها أن تميز بين الزيف والحقيقة، بين الكاذب والصادق، بين العاقل والمجنون، بين العارف والجاهل، لنفهم حقيقة صغيرة بأنه على الأقل نصف مجلسكم لا يعرف معنى الفصل بين السلطات، ولا يعرف متى يحتكم للمحكمة الدستورية، فكيف يعرف متى ينسحب احتجاجا على تجاوز صلاحياته إذا هو أصلا لا يعرف صلاحيات مجلسه.
ينبغي أن لا يستكثر علينا أحد ضحكنا على ما اعتبره النواب موقفا وطنيا تاريخيا وهو إجماعهم على الانسحاب بالطريقة الكوميدية التي حدثت، متخندقين تارة خلف خوفهم على غلاء الأسعار ومشاعر المواطنين وتارة أخرى خلف اعتراضهم على تجاوزهم في القرار، فيما هم لم يقرأوا المشروع ولم يعدوا ولو دراسة أولية حول نتائج القرار.
على النواب أن يعلموا أن ضحكنا هو أقل ما يمكن مواجهتهم به، بل يجب أن يعتبروه نوعا من أنواع تسامحنا معهم وعدم رغبتنا في اتهامهم بأنهم يتلاعبون بالقضايا الوطنية بهدف الاستعراض وتحقيق بطولات شخصية وحزبية ربما تنفعهم في معركة الانتخابات القادمة، سنعتبر ضحكنا وسخريتنا من الاستكتش الكوميدي الخاص بالانسحاب الجماعي نوع من أنواع اللطف لكوننا نعرف أنه لم يتبق من الزمن إلا خمسة أشهر لنبدأ صفحة جديدة مع نواب جدد ربما.