اسمحوا لنا أن نقول إن تطوير القطاع السياحي في البحرين أصبح مهمة يائسة في ظل الرقم المتواضع من الأنشطة والبرامج والمرافق السياحية التي لم تعد تنفع في هذا الزمن الذي تتنافس فيه دول الجوار منافسة شرسة في حلبة الجذب السياحي. الجمود هو سيد الموقف وما يجري اليوم من تراجع في هذا الحقل الحيوي المهم نتيجة عدم التخطيط والبقاء على آلية عمل رتيبة لا تتناسب مع التطور المذهل في قطاع السياحة، حيث لم تعد البحرين مثل السابق تستقطب زوارها ولأسباب كثيرة منها محدودية المجمعات التجارية متعددة الأغراض والمجهزة بأحدث التقنيات، فلغاية اليوم يوجد في البحرين مجمعان تجاريان فقط “السيف والستي سنتر” والمجمعان استهلكا كثيرا ولن يقدما أي شيء جديد للسائح. كما أن البحرين تفتقد إلى مدينة ملاهي على مستوى عالمي كالتي نشاهدها في دبي وغيرها، مدينة ذات مقومات متنوعة وبنية تحتية تؤمن راحة الزائر وتشجعه على قضاء أوقات ممتعة. كل ما لدينا هي مجموعة ألعاب مرصوصة في قاعات صغيرة منذ سنوات، أما تلك الألعاب الموجودة بالقرب من السواحل كالنادي البحري مثلا فحدث ولا حرج!
البحرين تفتقد إلى مسارح وقاعات كالتي نشاهدها في الدول العريقة بتقاليدها المسرحية والغنائية، ولم يتم استغلال المسرح الوطني في هكذا فعاليات. أما الجانب الأهم فهو عدم وجود سوق شعبي وكابينات تقع على الطرق كما هو حاصل في معظم الدول التي تتبع استراتيجية محكمة. ففي البحرين إمكانيات سياحية كبيرة تشجع على هذه المبادرات والتوسع في هذه المجالات لاسيما أن الأسواق مطلوبة كثيرا لدى الزائرين وكل الناس تجد متعتها في التجول بشوارعها وأزقتها الضيقة. بكل أسف لم نستفد من سوق المنامة القديم ولا سوق القيصرية سياحيا مع أن السوقين مخزون حضاري وتاريخي سيساعد إلى حد بعيد في تنشيط الحركة السياحية. كل الدول التي تهتم بصناعة السياحة تجد الحركة فيها مستمرة، تجديد وتحسين يجعل الإنسان يدرك بحق أن هناك اهتماما رئيسا بالسياحة في هذا البلد. أما نحن فمازالت مشاريعنا متوقفة وبعضها يحمل الرداء القديم.
صناعة السياحة تحتاج إلى تجديد وروافد جديدة تعطي الصورة المنشودة ملامحها. بحاجة إلى تنفيذ مشروعات تُعد بخطط مدروسة تجذب السائح مهما كان بعيدا. انظروا إلى دبي، هذه المدينة أصبحت عالمية وتحظى باهتمام ليس له مثيل على الإطلاق مع أن الجو هناك مثلنا “حر ولاهوب” ولكنها غدت اليوم أشهر معلم سياحي في الشرق الأوسط وربما العالم بسبب المشاريع السياحية العملاقة من مهرجانات وأسواق شعبية وحفلات ترفيهية ومجمعات تجارية خيالية وبرك سباحة ومنتجعات وسواحل نظيفة، والأهم تنظيمهم المدروس والفعاليات الكثيرة والمتنوعة التي تقام على مدار العام ولكل شرائح المجتمع.
وأنت تتجول في شوارع البحرين هذه الأيام من السنة تلمس شيئا من الملل والسأم القاتل، لا حدائق ولا منتزهات تليق بعراقة بلدنا وتراثه وجماله. هناك منتزهات مكشوفة خالية من الناس وبها ألعاب أكل وشرب عليها الدهر وتجديدها يتطلب نوعا من المعجزة. شوارع شهيرة مهملة بالكامل كان يفترض أن يتم استغلالها سياحيا وتكون واجهة تحتوي على المقاهي للاستراحة.
وزارة الثقافة تقوم بجهد كبير وتشكر عليه، فمدينة “نخول” وكل فعاليات مهرجان صيف البحرين في نسخته السادسة أنشطة تحرك السياحة وتنعشها، ولكن البحرين تستحق أكثر لإبراز واجهتها السياحية ولتعيد ريادتها في هذا الحقل.
صناعة السياحة تتطلب إجادة وإبداعا ويضاف استغلال كل شيء في البلد للأغراض السياحية. هل فكر أحدنا في تقديم دور الطرب الشعبية كوجهة للسائحين؟ هل فكر أحدنا في دعم أصحاب المقتنيات الأثرية النادرة وتخصيص محال لهم في المجمعات التجارية بدل تكدس كنوزهم في غرفهم وبيوتهم؟ أقسم بالله أعرف أشخاصا يملكون مقتنيات نادرة وقديمة جدا ولو تسنى لهم إيجاد محل بمساعدة الجهات المختصة لعرضها لشكلوا جانبا سياحيا فريدا من نوعه.
كلما كانت الطاقات كبيرة كلما كان النجاح حليفنا، كل ما يلزمنا في البحرين للجذب السياحي خطوات جديدة وتسهيلات.