اليوم الوحيد الذي أرتاح فيه من هموم العمل الصحافي وكتابة العمود اليومي الذي يأكل من جسد الكاتب مثلما تأكل النار الحطب، هو يوم الخميس؛ لذا قررت أن أخرج من عتمة المجمعات التجارية التي نرتادها باستمرار وخطفت رجلي على رأي إخواننا المصريين إلى سوق المنامة القديم يوم الخميس الماضي، ذهبت وكلي شوق كبير للسوق القديم والأزقة التي كنا نرتادها ونحن صغارا لا لشيء.. إلا لاسترجاع سلال الذكريات الجميلة وعبور نهر أيام الطفولة.
كانت الساعة تشير إلى السابعة مساء عندما وطأت قدمي باب البحرين، منظر رائع بوجود التحديثات على جانبي هذا الشارع الشهير، وبعد جولة سريعة في أروقة هذا الشارع ذهبت إلى الداخل قاصدا مجمع يتيم والمنطقة المحيطة به، ولكنني صعقت بما شاهدته من مناظر جعلتني أتمتم بصوت مخنوق.. يا خسارة على المنامة.. يا خسارة على عاصمة السياحة كما كنا نتصورها وكما قيل عنها. لقد كانت اللحظة أشبه ما تكون بلحظة الموت.. لحظة وداع التاريخ والإرث والحضارة والهوية. ماذا ترى هناك؟ أقول لكم.. مجموعات من الآسيويين يترنحون أمام “الأوادم” ولا حاجة لذكر السبب، وأكوام من القمامة مكدسة هنا وهناك حتى يخيل إليك أنك في بلد متخلف جدا لا يملك الأجهزة الحديثة ووسائل نقل القمامة العصرية، ناهيك عن الطرقات المظلمة والموحشة والأرصفة المتسخة والضجيج الصادر من بيوت الجاليات الأجنبية، حتى أنك تظن أن كل أهل دول أسيا قد انتقلوا إلى المنامة، والملصقات الإعلانية على الجدران وحدها تحتاج إلى كتاب خاص، ومعظم المحلات أو “الدكاكين” في داخل السوق تحتضر أو مغلقة نتيجة العزلة التي يعيشها سوق المنامة القديم ولأسباب كثيرة لا مجال لذكرها.
إنني أكسر طوق الصمت وأقول للمسؤولين دون تردد.. أنقذوا المنامة عاصمة النور والنشاط والناس، إنها العاصمة يا ناس. انظروا إلى الدول المجاورة كيف تهتم بالعاصمة وتجعل منها منطقة مقدسة، على الأقل في مساحات منها. وهذه المساحة ممنوع السكن فيها وتجد فيها المشاريع السياحية التي تعكس تاريخ البلد وتعج بالمحلات الشعبية وتسير حسب نظام صارم لا يمكن خرقه أبدا.
أما نحن فكل المشاريع والأنشطة التي تقوم بها وزارة الثقافة والسياحة موجودة في مكان واحد وهو باب البحرين فقط. عرض منتجات شعبية وتراثية باستمرار في هذا المكان وكأن العاصمة المنامة قد حصرت في هذه النقطة، صحيح أن الأنشطة التراثية التي تقام تستقطب الزائرين والمقيمين،وتحظى باهتمامهم ويقبلون عليها باستمرار، بيد أن هناك رأيا آخر ربما لم يستمع إليه المسؤولين عن الحركة السياحة، وهو ضرورة إعطاء كل مناطق السوق القديم بالمنامة الاهتمام المطلوب، حيث تفضل العوائل الخليجية النزهة في الطرقات القديمة والتبضع من المحلات الشعبية التي تقع في طرقات وأزقة مهملة وخالية من أدنى صور الاهتمام والمتابعة، وأكثر ما يرتاده الزوار الخليجيون هو سوق الذهب القديم، ولكن هل يعرف المسؤولون كيف يبدو هذا الشارع في الليل؟ أشك في ذلك!
ما أريد قوله هو أنه لا يمكن أن يكون اهتمام السياحة فقط منصب على باب البحرين ونسيان بقية أجزاء السوق، المفترض أن ينصب الاهتمام على تحسين المناطق الداخلية من السوق وجعلها نوافذ يطل من خلالها التراث البحريني الأصيل على زوار المملكة، وهذا يأتي عبر تنفيذ مجموعة من البرامج التي تصون التراث وتأهيل تلك المحلات المهملة القابعة في حفر النسيان.
يجب تحويل كل السوق القديم إلى متنزه سياحي ومركز ثقافي يحتضن الأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية وغيرها، وإبعاد كل ما يعيق ذلك مثل السكن العشوائي للآسيويين وتحصينها ضد الخارجين عن القانون.