الصحافة العربية كانت ولا تزال تمر بمعركة مريرة وطويلة مع المجتمعات العربية، وهي معركة فرضت عليها منذ زمن بعيد، هذه المعركة لها أبعاد كثيرة ومتشعبة، ونحن نخوضها في واقع التصدي اليوم ومن خلال شواهد مؤسفة تكشف بدورها المعضلة التي تعيشها الصحافة العربية، ومن غير الممكن التحدث عن الصحافة العربية والاعلام العربي بشكل عام، دون النظر الى واقع مجتمعنا العربي الكبير وتناقضاته، ومستواه الحضاري والاجتماعي والاقتصادي.
فالمواطن العربي لا يؤمن بحرية الصحافة ومازال يخاف من النقد الصارم في أي نمط من أنماط حياته، ويتحاشى مواجهة الحقائق بدون زيف ولا تضليل، انه لا يريد الحق ولا يريد كشف الحقيقة الحية التي بداخله، بل يرفض روح العصر ويدفن رأسه في الرمال كالنعام جراء أسباب عادية أهمها التقاليد البالية وانتشار نواميس الجهل والتخلف التي تنخر في عظامنا.
المواطن العربي يرى في داخل نفسه ان الصحف تكذب عليه في محاولتها لتهدئة موضوع ما أو قضية في المجتمع، وهناك من يتهم جميع الصحف دون استثناء بتعمد الإثارة وعدم توخي الدقة والموضوعية وروح البحث العلمي في الأسلوب، وتكثر في الصحف النزوات الفردية والتهويل والديماغوجية والدعاوى المباشرة التي تصبح في كثير من الأحيان نوعا من الإعلان السطحي الفارغ.
لهذا كيف لنا بصحافة متطورة ومتقدمة مع وجود عقلية ترفض الحياة وترفض كل شيء، وتستحي من الآخرين ان ينظروا اليها حتى ولو من خرم إبرة! لا ازدهار للصحافة في مجتمعاتنا إلا بازدهار عقول هذا المجتمع وإلا سيكون كل شيء محكوم عليه سلفا بالفشل، قهر وموت حتى تستنفذ صاحبة الجلالة قدرتها على الصمود وطاقاتها على البقاء، فتنطفئ كقنديل جف زيته لتوضح انها تعيش في جو خانق.
مجتمعنا العربي بصريح العبارة يعيش النتائج الفاجعة لانجرافاته طيلة السنوات الماضية، سعى إلى التغييرات الخارجية، وأهمل الإنسان من الداخل، حياتنا تنقل من مرحلة إلى أخرى على نحو سريع، لكن العربي باق لم يتغير. يبدو انه مازال مبهورا بما يشاهده من حوله في هذا العالم، يظن انه يستعيض بالكم عن الكيف، وبالشكل عن الجوهر. شخصيته من الداخل لا تزال كما كانت منذ خمسة عشر قرنا، كأنه اثر تاريخي يلبس شكل الإنسان، يأكل، ينام، ويتحرك بمعجزة ما.
الإنسان العربي كما يقول أدونيس أصبح يستخدم الثياب التي يخلعها العالم المتطور في مسيرته الإبداعية وهي ثياب العرق والاكتشاف والتغيير، ويظن المسكين انه إذا استخدم هذه الثياب سيتساوى مع العالم المبدع.. العربي ليس غريبا عن نفسه فحسب، وانما عن العالم، انه كما يقولون... وجود مؤجل.. غصن مصطنع في شجرة الحضارة المعاصرة.
وبعد كل ذلك فمن المؤكد أن الصحافة العربية لا تتقدم بل تعيش كابوسا اسمه المواطن العربي.. العقل العربي.