العدد 1759
الخميس 08 أغسطس 2013
“ولهان يا محرق” أسامة الماجد
أسامة الماجد
سوالف
الخميس 08 أغسطس 2013

 ما أروع أن يسترجع الإنسان أيام طفولته ونقاوته ونشاطه، تذكرت ذلك وأنا أطوف “دواعيس فريجنا” القديم بالقرب من بيت عيسى بن علي بالمحرق.. الصدفة وحدها قادتني الى ذلك المكان الجميل الذي قضيت فيه أياما خضراء مع زملائي الذين تواروا الآن خلف الستار، ولكن “فريجنا” لم يعد ذلك الفريج الذي كان منبعا للفنانين الشعبيين والفرق الشعبية المعروفة في السبعينات كفرقة العاصفة، وفرقة قدور، وفرقة بن حمادة، وغيرها من الفرق التي لم تعد إلا أسماء تذكر في يومنا هذا... وكم كنت في غاية الفرح عندما التقيت بالفنان الشعبي خالد الدوسري الذي كان جارا لنا بعد سنوات طويلة، وخالد قد يكون هو احد بقايا ذلك الجيل الذي يمارس فن الزار شبه المندثر في مجتمعنا حاله كبقية الفنون الأخرى... أفكار عديدة تلاطمت على شواطئ ذهني، وأنا استرجع ذكرياتي في حديثي مع الفنان خالد، لعل أهمها ذهابي مع جدتي “أم محمد” رحمها الله وأنا لم أتجاوز السادسة من العمر الى دار فرقة أم حمادة، أو “مكيد مريم البن حمادة للموالد والزار” الذي يزيد عدد المشاركين فيه على الستين، أو الى دار فرقة العاصفة للغناء النسائي، ورحلاتنا العائلية الى “الصعصعة” و”بركة التينة” أو بن هندي واستعدادنا لشهر رمضان بعمل “فريسة” ليس لها مثيل في بقية الفرجان.. وشرائنا من سوق “الكراشية” ولعبنا “الصعكير” و”الخارطة”، وذهابنا إلى “السمادة” القريبة من مطار البحرين الدولي وتذوقنا لأنواع الطعام “الحايف وغير الحايف” وركوبنا “الباص الخشب” مرة في الأسبوع للذهاب مع جدتي إلى سوق المنامة وتحديدا محل “دارجلنك” لبيع الأدوات الرياضية.

أما أجمل المغامرات فكانت الذهاب إلى “المقصب” القريب من محطة الباصات “لستيشن” لرؤية الذباح، ومازلت أذكر قصة الثور الذي هرب من المقصب وأخذ يجري في أزقة المحرق وجعل الناس تدخل إلى بيوتها مذعورة. وطبعا من الأشياء المحفورة في الذاكرة أول تلفزيون اشتراه الوالد رحمه الله وكان اسود وابيض وذا أبواب، وثلاجتنا كانت ماركة ألمانية تقوم والدتي رحمها الله بتنظيفها يوميا من أكوام الثلج التي تتراكم في “الفريزر”.

أما مكتبة الوالد فكانت ملتقى للمثقفين والأدباء وأصحاب الفكر الذين يحجون إليها من كل مكان، إذ كان الوضع أشبه بالندوة الثقافية والفكرية.

ذكريات جميلة أيقظت فيّ طفولة مدفونة، وحنينا الى كل ما هو شعبي وبسيط في مدينة العراقة والأصل المحرق، ولوقت قريب كنت عازما على تجميع اكبر قدر ممكن من كلماتنا الشعبية ـ مالت لوول ـ التي أحفظها ومازلت أتلذذ بترديدها ووضعت معظمها في سيناريو مسلسلي الإذاعي الكوميدي الشعبي “يوميات أم سحنون” ولكن أتصور ان الاخ العزيز الفنان والباحث جاسم محمد بن حربان لديه نفس المشروع وهو بطبيعة الحال أكثر خبرة ودراية مني، وله الأولوية في ذلك كونه موسوعة شعبية وأثرى المكتبة البحرينية بالعديد من الكتب المتعلقة بالتراث والفنون الشعبية بشكل عام.

فما أجملك يا مدينة الطيبين و”البوعكوف” رغم كل ما حصل إليك من تشويهات “المدنية الزائفة” وزحف الدخلاء، من الآسيويين وغيرهم، إلا ان جدرانك لا تزال تفوح منها رائحة الأوليين، وترابك لا تزال خطواتنا مرسومة عليه رغما عن انف السنين، فكم أنا ولهان يا محرق!!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية