العدد 1922
السبت 18 يناير 2014
درس التاريخ الأهم زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 18 يناير 2014


 
هل يمكننا فعلا أن نحدد ما هو درس التاريخ الأهم، ذلك أننا يمكن أن نقرأ التاريخ وحوادثه على اعتبارات شتى، ويمكن أن نستخلص منه أيضا دروسا شتى، وكل في مسألة التاريخ يغني على ليلاه، ولكن دعونا ننظر إلى ما حدث حولنا في التاريخ القريب جدا، وفي الأماكن القريبة جدا، حيث إن العالم لم يعد أكبر من قرية كونية ننام على أطرافها التي تزداد صغرا، ولعلنا لازلنا نعاني الدهشة من كل ما أطلق عليه اسم الربيع العربي ونتائجه المختلفة التي يمكن أن نتفق أو نختلف عليها.
ولكن نجد أن هناك اتجاهين أساسيين في النظر إلى الربيع العربي، أحدهما يتمثل في الجانب الإيجابي والذي يرى بعضهم أنه يتمثل في سقوط العديد من الأنظمة العربية، وما تبعها من إجراءات لعل مثالها المضيء هو التجربة التونسية التي يأمل الكثير من المتابعين للشأن السياسي أن تستمر على ذات النهج؛ من أجل المصالحة الوطنية وإرساء مدنية الدولة وتعميق القيم الديمقراطية فيها، ويبدو أن الدستور التونسي يشكل علامة بارزة في هذا المسيرة، وهو ذات الصراع الذي انتقل في مصر إلى التعبير عن نفسه في الصراع على إنجاز الدستور.
وتبدو عند المتشائمين الصورة التونسية غير مكتملة رغم وجود المجتمع المدني وقدرته على الضغط السلمي على النظام، ولكن هناك قوى تستنجد بالجوار من أجل القيام بعمليات مسلحة وإن كانت بسيطة من أجل هز الصورة.
كما أن تعرض العراق للغزو أدى إلى إنتاج دستور كل ما يمكن القول عنه إنه ترك كثيرا من المنجزات وراءه، وبات كل من العراق وسوريا وليبيا ومصر يعانون من احتراب داخلي معلن أو غير معلن، ويشترك الوضع الليبي مع الوضع العراقي في التفكك، حيث تذهب فيهما بعض الأقاليم لتصدير النفط لوحدها دون الرجوع للدولة المركزية، كما أن الوضع اليمني يشتكي من حرب داخلية بين الحوثيين والسلفيين، ومطالبات انفصالية من قوى الحراك الجنوبي، والسودان الذي يشهد حربا أهلية لازالت مهيمنة، وكذلك ما تشهده مصر من عنف في الشارع، ولم يكن الوضع اللبناني ببعيد عن تلك الحالة من عدم الاستقرار، حيث يلوح في الأفق بين الفينة والفينة نزوع نحو تفجير الوضع، ناتج عن تصور بعض الأطراف لضعف حزب الله اللبناني وحلفائه، نتيجة لتمدده في سوريا وإنهاكه نتيجة لمشاركته في الصراع.
تبدو الصورة من بعيد فوضى عارمة تهدد بمحو الهوية العامة، وسيادة مجموعة من الهويات المختلفة التي تذهب في اتجاهات طائفية وقبلية وإثنية قابلة للتعلق بالشيطان من أجل فرض نماذجها في بعض الحالات وصارت الرياح السياسية تأخذها كل مأخذ متناسية مسألة بناء الوطن.
وقد تتناسى تلك الفئات الحروب القبلية التي قامت في إفريقيا بين الهوتو والتوتسي في القريب العاجل وراح ضحيتها أعداد من الأبرياء، كما يتساقط العراقيون كل يوم بفعل المفخخات وغيرها، ويقتل العديد من الناس اغتيالا على أيدي مجهولين في كل من تونس وليبيا والعراق واليمن.. الخ، إن تفتت الهوية يذهب نحو تأكيد مجموعة من الأمور لها من الأهمية ما يوازي وجود الناس في هذا البلاد.
ولعل الدرس الأهم الذي يمكننا فهمه من الحراك الاجتماعي منذ حركة القوميين العرب التي كانت تطرح مشروعا عاما لجمع شتات العرب في دولهم المختلفة لتشدهم بالمصلحة الوطنية عبر شعار نفط العرب للعرب، وكذلك ذهب المشروع الناصري، والبعثي، حتى تبين أن كل تلك المشاريع ذهبت أدراج الرياح، ولم تنفع مشاريع اليسار العربي، وباتت معظم الدول العربية تفتقد إلى المشروع الوطني الجامع الذي يضع مصلحة الوطن الذي يدعيه الكل، في الوقت الذي يلعب هذا الكل من أجل تحقيق مصالحه الخاصة والضيقة. وبذالك ضاعت قضية فلسطين باعتبارها القضية المركزية وكأنها في طريق التبدد، ويبدو أن المشروع الوطني الجامع هو الذي يجب أن يوضع في المقدمة، ولكن كيف؟

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية