إن من يتابع أوضاع السوريين في مخيمات اللجوء داخل وخارج الوطن، ومن هم تحت الحصار من الاتجاهين، أو يتابع أوضاع الفلسطينيين في غزة أو الأرض المحتلة أو في المخيمات تحت البرد القارص يشعر بالأسى للحظات ويغير القناة التليفزيونية، إما لعجزه عن فعل شيء أو لأن قلبه المحمل بمآسي العرب لم يعد قادرا على تحمل المزيد، بينما يقوم آخرون بتغيير القناة للبحث عن شيء مسل بعيدا عما أصبح واقعا متكررا وعاديا، والبعض الآخر يشعر بالأسى فقط وهو مقتنع أنه غير معني بالموضوع.
هذا وضعنا اليوم منذ وضعت أميركا وحلفاؤها في المنطقة خريطة جديدة بدأت بتدمير العراق وتمزيق ليبيا بالمليشيات المسلحة واستمرار تهجير الفلسطينيين وأزمة لبنان التي أصبحت ورما لداء عضال لا دواء له، وصولا إلى تدمير سوريا وتشتيت أهلها، وتورم المنطقة بالسلاح الذي أتى والذي لم يصل بعد. ورغم كل ما يقال عن الديمقراطية التي لم نرَ منها إلا إعلانات ملازمة لأهوال مرعبة تعيشها شعوب المنطقة.
من المسؤول ومن يدفع الثمن؟ المسألة لا تحتاج إلى الكثير من التحليل، فالمسؤول معروف، أنظمة عربية وضعت يدها مع عدوها بوهم الحفاظ على الأمن والاستقرار، فتحول الأمن إلى رعب يومي يعيشه مواطنوها، من يدفع الثمن؟ بالطبع شعوب هذه المنطقة. فإذا دمرت مصر وشرد أهلها فعلى شعوب الدول العربية الأخرى أن تلبي نداء الاستغاثة، لتهب أموالها وعتادها لنجدة اهل مصر، وإذا حدثت المأساة في العراق تحولت الأموال للعراق وهكذا نذبح لتخرج الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والدول الأجنبية متدثرة بلباس الإنسانية تطلب نجدتنا وأموالنا لنجدة المهجرين والمشردين والمغتصبة أوطانهم بفعل سياساتها.
اليوم نعيش أزمة سوريا للعام الثالث، حيث يعيش في مخيم الزعتري وحده بشمال الأردن حوالي 120 ألف لاجئ سوري. لم تعد هناك ثقة في قوانا الثورية الإسلامية التي تحولت إلى دمى في أيدي أميركا وغيرها تحركهم بين الأقطار العربية ليفجروا مسجدا هنا وكنيسة هناك وليدمروا ما تبقى من كرامتنا باسم الإسلام. العالم اليوم يصرخ طلبا لنجدة إخواننا في سوريا الذين يعانون الجوع والصقيع ويموتون من تكالب البرد والجوع والحرب، ولا أحد ممن تسبب في شقائهم يتقدم بكسرة خبز لسد رمقهم. كل المنظمات الإنسانية بقيادة الأمم المتحدة التي كانت الشاهد الأكبر على تفتيت الوطن العربي والراعي لتغيير خريطته بيد دول الخمسة زائد واحد. هذه الدول من خلال الأمم المتحدة تطالب العرب الممزقين بأن يتبرعوا لإخوانهم السوريين؛ من أجل مزيد من التهجير ومزيد من توزيع الشعب السوري على دول العالم، الجزء الأكبر في الأردن والأجزاء الأخرى موزعة بين دول العالم وكأنهم بضائع يُروج لها وترسل لمن يدفع أكثر. لم يعد للسورين وطن وهم على قاب قوسين من حدوده، وعوضا عن حثهم على العودة هناك من يشجعهم على الرحيل لا لشيء إلا ليكونوا سلاح أقسى من أسلحة الدمار التي تدخل سوريا أسرع من الخبز لقتل المزيد وتهجير المزيد من أبنائه.
هل نحن معنيين اليوم بأن ندفع جزء من لقمة أطفالنا التي نحصل عليها بشقاء في دول النفط، لنسد رمق طفل هنا وآخر هناك يعانون قسوة الإنسانية ممثله في بنادق توجه لهم عوضا عن أيدي تمتد لهم بالمساعدة. نعم نحن معنيون، نحن من يسكت ويبرر حتى هذه اللحظة كل ما يحدث على الأرض العربية، لم نكن يوما أداة رفع أو حتى أداة وعي بل أداة متآمرة باستمرارها في استمراء أنظمتها وضعف قياداتها.