بعض النظريات الفلسفية تشترك في نظرتها للتاريخ الإنساني بالرغم من تنوعها التي جاءت كنتيجة طبيعية للصراع البشري والميل نحو الهيمنة والسيطرة التي تمظهرت في تحولات سياسية لحماية الثروات وتنميتها. وبما ان تطور التاريخ الإنساني كان موضوعها، فقد درست وحللت أسبابه والعوامل المؤثرة فيه، وأكدت ان التاريخ يعيد نفسه نتيجة لتكرار الاحداث بشكل حتمي. رغم اختلاف النظريات التاريخية حول الاسباب فبعضها يعزيها للأسباب الموضوعية وأخرى لأسباب ذاتية وغيرها لكليهما إلا انهم اتفقوا بالنهاية على ان التاريخ يكرر احداثه حتى أصبح مصطلح التغير مجمدا في قوالب التكرار اللانهائي.
وأمام هذه الفلسفات التي قادت التحولات التاريخية وصنفتها، وقد كان بعضها محرضا عليها، تقف هذه الفلسفات حائرة أمام الوضع العربي المتناقض في تحولاته. فمن ينظر للثورات العربية عبر التاريخ من زاوية التغير نحو الأمام لا يستطيع إلا ان يقارنها بالتغيرات الحاصلة على مؤشرات سوق الاسهم في ارتفاع ونزول مفاجئ وبشكل غير متوقع، وأحيانا نزول لحد الفاجعة. هذا هو الوضع العربي الذي أصبح يفاجئ حتى مواطنيه في حركته المتقلبة. ولعل ما يحدث اليوم في مصر حالة من الحالات التي تفند نظرية أن التاريخ يعيد نفسه، فلم نشهد في التاريخ العربي او حتى العالمي هذه التحولات السياسية والاجتماعية المتضاربة في خلال فترة زمنية قصيرة. من ثورة على الاستبداد والاستحواذ إلى عودة ونكوص إلى سلطة مجهولة لا يمكن تحديدها تقود الشعب المصري إلى مصير لا يمكن الآن تحديده او توصيفه. ورغم كل الاحداث التي عاشها الوطن العربي في نضاله ضد المستعمر اولا ثم ضد الاستبداد ثانيا فهو اليوم يعيش حالة اكثر عتمة لأنها حرب من اجل الحفاظ على هويته ووحدته وليس فقط حريته. ويحارب ليس فقط هيمنة انظمته بل استبداد المجتمع الدولي الذي اعلن بحربه على الوطن العربي وتقسيمه تخليه عن كل القيم الانسانية التي ارساها بعد الحرب العالمية الثانية دون خجل. وبهذه الحرب اعلن جهارا كيف تتحول السلطة إلى استبداد حتى في اكثر الدول ديمقراطية كما في فرنسا وبريطانيا وأميركا.
ان ثقافة “التاريخ يعيد نفسه” تلقفتها بعض السلطات العربية والغربية لإعادة قولبة الدول العربية سياسيا واقتصاديا بما يتناسب مع اهدافها ومصالحها المستقبلية، فإذا كان العرب لا يعترفون بالتخطيط ولا يمتهنونه فإن الدول الطامعة بثرواتها تخطط وتنفذ لاستغلال ما يمكنها من مواردها وخيراتها. وبدأ التنفيذ بمبادرة الرئيس الأميركي الاسبق جورج دبليو بوش، وخطته الشهيرة “دمقرطة الشرق الأوسط” واعتمد في تنفيذها اولا على اللعب باللغة واختلاف المفاهيم بين الغرب والشرق في تفسير مصطلح الديمقراطية، تفاسير تختلف باختلاف الثقافة وقيمها الاجتماعية والسياسية. وثانيا على نظرية الضربة الاستباقية والفوضى الخلاقة. واستندت اميركا وحلفاؤها على نظرية التاريخ يعيد نفسه وعلى قوة الدول الكبرى التي لا تقهر وبالتالي قتل اي روح للمقاومة في مهدها على اساس انه لا يمكن التغلب على اقوى دول العالم واكثرها هيمنة. ولا يمكن للشعوب العربية الثورة على انظمة تدعمها هذه القوى. وبناء على كل هذا بدأ تدمير العراق في مسلسل تدميري للوطن العربي وجيوشه حتى يكون عاجزا امام التسلط الغربي واداته الصهيونية في المنطقة. وهذا للأسف ما نعيشه اليوم من عجز شعبي عربي أمام التوغل الغربي في مقدراته ونجاح سياساته القديمة المعتمدة على التميز والطأفنة وتقسيم الشعوب العربية إلى اثنيات تحارب بعضها البعض وتطالب بالانقسام والتجزؤ.
عندما تمهد لفكرة الموت وانه الخيار الوحيد، تنجح بالنهاية في جعل الغالبية المؤثرة تنساق في عملية انتحار جماعي، خاصة عندما تدعمها بمجموعات من الخرافات والغيبيات والفتاوى لتصل لمرحلة اللاعودة. ويبدو ان هذه هي المرحلة التي تعيشها أغلب الشعوب العربية وقواها السياسية، فنراها امام الهيمنة الاستعمارية الجديدة وحلفائها من بعض السلطات والقوى السياسية العربية، تردد مقولات من مثل، سياسة الأمر الواقع، الظروف الإقليمية والدولية غير المواتية، التناحر الطائفي والأثني وغيرها من المقولات التي تعبر عن انهزاميتها وضعفها وخوفها من دخول معترك الصراع فتظل عاجزة عن فعل الثورة والتغير.