رغم كل الأخبار التي تنتقل عبر العالم عن تلك النيران المشتعلة والمثيرة في اجزاء كثيرة من العالم، إلا ان هذا لم يمنع او يغطي الإثارة التي نتجت عن حدثين كانا في البدء كأنهما جانبيان في فرنسا في شهر يوليو الحالي، ولكون الحدثان يمسان كتلة هائلة من المسلمين في كافة انحاء العالم وبالخصوص في اوروبا التي تعتبر مهد العلمانية الحديثة بوجهيها العلمانية الجزئية والعلمانية الكلية، لا بل اهم حدثين حدثا في بلاد مثلت مهد الثورة على النظم الدكتاتورية ونظرت لكل ما تلى من احداث قادت إلى العلمانية المعاصرة.
اولهما، كان يتمثل في قرار البرلمان الأوروبي بتجريد النائبة الفرنسية مارين لوبان، زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليميني، من الحصانة البرلمانية التي كانت تتمتع بها، وذلك تمهيدا لمقاضاتها في فرنسا بتهمتي اثارة الكراهية والتمييز ضد المسلمين. بينما تمثل الحدث الثاني في احداث الشغب التي اندلعت في اعقاب احتجاز الشرطة رجلا متزوجا من امرأة منقبة بتهمة تعديه على رجل الشرطة الذي اوقف زوجته المنقبة وطالبه بدفع غرامة مالية يقرها القانون الفرنسي على المنقبات في الاماكن العامة.
هذان الحدثان يبدوان مرتبطين مع بعضهما، فالأول يعبر عن شرائح اجتماعية في فرنسا مناهضة للمسلمين ادت إلى وصول النائبة عن اليمين المتطرف للبرلمان ولتعبر بشكل كبير عن تياراتها العنصرية كما تجلت في مناهضة القوانين للنقاب ومحاربته بتشريع قانون يحرم النقاب في المؤسسات التعليمية ويمنع النقاب الذي يغطي كامل الوجه في الاماكن العامة وفرض ذلك القانون بالقوة.
بينما نما تيار واسع للدفاع عن النقاب ليس في فرنسا وحدها إنما شمل ايضا كافة البلاد العربية والإسلامية، ويبدو كأنه دفاع عن حرية الرأي والعقيدة وإن الدستور الفرنسي وحقوق الإنسان المتبناة من الدولة الفرنسية يحمي هذه المبادئ والقيم وعليه يجب الغاء المنع ومناهضته، باعتباره انسجاما مع حقوق الانسان الاساسية في التعبير عن معتقداته، كما طال النقاش كل النساء المتحجبات بما فيهن اللواتي يعملن في المؤسسات الدينية المسيحية مثل المدارس الدينية التي تقوم بها التيارات الدينية في الغرب، حتى انتقل فيما بعد إلى التركيز على النقاب كما عرفه الشرق الاسلامي بعد الحركات الجهادية السلفية العربية وعودة مقاتليهم من افغانستان، وفي اوقات حكم طالبان لأفغانستان، وكما ظهر في دول كباكستان والهند على الرغم من وجوده من قبل ولكن الدعوة له اشتدت في تلك الفترة.
السؤال الذي يطرح نفسه، هل هي مسألة حرية رأي وحماية حرية المعتقد وبالتالي حق المسلمين في ممارسة طقوسهم الدينية باعتبارهم مكونا من مكونات المجتمع الفرنسي كما يضمنها التطابق المفروض بين القوانين وحقوق الانسان والعهدين الدوليين والتي تضمن فيما تضمن حرية التعبير عن المعتقد وتساوي كل الرموز الدينية امام القانون بما فيها ما يعبر عن كل الديانات السماوية وغيرها من المسيحية واليهودية والاسلامية وغير السماوية كالبوذية والهندوسية وكذلك الحركات اللادينية، وفيها آلاف الرموز التي يمكن اعتبارها جزءا من الطقوس لهؤلاء، وليس الحجاب والنقاب إلا من ضمن تلك الطقوس التي يمارسها اصحاب تلك الديانات.
من جانب آخر اعتبر الطرف الأول بممارساته العنصرية والتميزية التي وصلت الى ان تخرج السيدة لوبان وتصرح بما معناه ان صلاة المسلمين في شوارع فرنسا شبيهة بالاحتلال النازي لفرنسا ابان الحرب العالمية الثانية. واعتبار بعض التيارات ذلك دفاعا عن العلمانية وحماية للطريقة الفرنسية في الحياة العصرية.
وعليه هل نعتبر ذلك هو تطرف في الدفاع عن العلمانية من قبل الطرف الأول، ونعتبر حركة دعاة الدفاع عن النقاب هي حركة للدفاع عن الحريات، ام ان كليهما ليسا إلا تعبيرا عن التطرف المرفوض.