تعيش المنطقة العربية حالة من الفوضى السياسية، فالجميع اليوم مشغول بالأحداث المتلاحقة التي تدور من حوله عاجزا عن تفسيرها او ربطها ببعضها البعض. وبالنهاية يصل إلى نقطة واحدة هي سوريا وما يدور داخلها وبالتالي كل ما يسمعه من اخبار حول تحركات الدول الغربية وأميركا والكيان الصهيوني من جهة وما يعيشه العراق ولبنان من ازمة من جهة اخرى يربط بالحدث السوري. من يرى ان التدخل الأميركي وشيك من خلال ضرب إيران وبالتالي دخول المنطقة في حرب طاحنة سيفتح الباب أمام الكيان الصهيوني ليتحرك عسكريا لإبادة حزب الله، وبالتالي عزل الأسد عن اصدقائه. ولكن هذا الطرح يبعد روسيا والصين عن المعادلة وكذلك فرنسا وبريطانيا. وطرح آخر يرى ان ما يحدث في العراق هو تدخل من بعض الدول بقيادة الجامعة العربية لتقوية السنة مما يؤدي إلى تقسيم العراق كما كان مخططا له منذ التدخل الأميركي. وتتحقق خطة الهلال السني وسيطرة الإخوان الكاملة على أغلب الحكومات العربية. ولا نعرف كيف ستتعامل الجامعة العربية مع إنجاح هذه السياسة التشطيرية وضبط حركة الاخوان وإدارتها، خاصة انها منذ تأسيسها إلى اليوم لم تحرز اي نجاح في سياساتها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وصولا إلى ثورات الربيع العربي. ايضا هناك من يرى أن روسيا تتعامل مع سوريا على أنها تشكل جزءا من امنها القومي وبالتالي لن تتنازل عن دعم سوريا واي اعتداء عليها سيكون اعتداء على روسيا إلا ان الغارات التي قام بها الكيان الصهيوني لم تجعل روسيا تتحرك لدرجة انها لم تعلن إدانتها او رفضها للهجوم الأميركي وإن بأيدي صهيونية.
ويبرز فريق آخر يرى ان الغارات الصهيونية هدفها تدمير الاسلحة السورية المتطورة وتغيير الوضع على الارض السورية دعما للمعارضة المسلحة التي بدأ ينكشف فشلها في اسقاط النظام وسيطرة السلفية الجهادية عليها وبروز علاقتها بتنظيم القاعدة، ولابد من تغيير الموازين لصالح الرؤية الغربية. والكيان الصهيوني يعلم بأن سوريا وحزب الله وإيران لن يقوموا بالرد على الغارات وذلك لعدم قدرتهم على فتح جبهة قتال مع النظام الصهيوني في الوقت الحالي.
في بداية الأزمة السورية كانت اصوات دول مثل بريطانيا وفرنسا وتركيا تتسابق في دعم الجيش الحر والضغط باتجاه إرسال المال والمقاتلين وتدريبهم ومدهم بالسلاح، واليوم خفت الصوت بعد الهزائم المتكررة للجيش الحر امام النظام، مما خلق حالة من البلبلة والخوف السياسي الذي انتهى بالغارة الصهيونية لتعديل الموازين واظهار النظام السوري بأنه نظام لا يدافع عن اراضيه امام اي هجوم خارجي خاصة انه متهم بحماية الجبهة الشرقية للعدو وانه لم يطلق رصاصة واحدة ضده لأكثر من اربعين سنة وترك الجولان لمصير مظلم. وبالتالي تشكل الغارة الصهيونية احراجا كبيرا لسوريا وحزب الله وايران. ويبدو ان الهجمة الجديدة لحلفاء المعارضة السورية المسلحة لم تقتصر على الغارة بل ايضا بدأت مسألة الأسلحة الكيميائية تبرز على السطح كسبب للتدخل الاجنبي في سوريا وبشكل سافر.
كل هذه الفوضى السياسية جعلت حتى اعتى المحللين السياسيين في وضع لا يحسدون عليه حيث لا تقرأ رؤية سياسية واضحة لما يحدث. وبالتالي سادت سياسة الفوضى الخلاقة والضربات الاستباقية التي تنتهجها السياسة الغربية منذ غزو العراق.
ان من يتابع الاحداث السياسية منذ بدء الفوضى السورية إلى اليوم يلمس التشويش لدى المهتمين والمتابعين للوضع في المنطقة. إلا انه رغم كل هذا يظل هناك خيط رفيع غير مرئي يربط هذه الاحداث ببعضها ورغم ان هذا الخيط تمسك به أميركا وحلفاؤها، وليس للمواطن العربي إلا أن يمارس الشعوذة للخروج سالما من هذه المتاهة التي صنعت لحرفه عن أهدافه العروبية وتحولاته الديمقراطية. فهذه الفوضى السياسية هدفها واضح فالغرب وكل من له مصلحة اقتصادية وجيوسياسية في الوطن العربي يمضي بشكل سلس في تنفيذ مخططه الذي اعلن عنه منذ بدء الضربة للعراق وهي تغيير خارطة الشرق الاوسط السياسية، والدفع بأنظمة تكون مناسبة للمرحلة السياسية والاقتصادية التي لا تستطيع الدول الغربية واميركا ان تمضي قدما في إنجاحها في ظل الانظمة الحالية وفي ظل معارضة لا تسيطر عليها، فكانت الخطوة الاولى السيطرة على العراق وتقسميه ويعلم السياسيون ان المخطط لا يقتصر على العراق بل كل دول الممانعة. فكانت سياسة دمقرطة الشرق الاوسط الطعم الذي ابتلعته المعارضة للوقوف مع الطرح الاميركي، بينما الغرب لم يكن يهدف اكثر من القبض على كل الخيوط للسيطرة على عملية التغيير التي كانوا يرونها قادمة، فالشعوب العربية وصلت لمرحلة من التذمر الذي بدأ يتحول لعاصفة قد تكنس الانظمة الديكتاتورية التي تشكل الاداة والآلية التي تحافظ على المصالح الغربية.