العدد 1921
الجمعة 17 يناير 2014
موضة الإعجاز العلمي وضلال مفهوم أسلمة المعرفة خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 17 يناير 2014

في تطوان من المغرب في أبريل من عام 2014م سيعقد اجتماع كبير حول الإعجاز العلمي في القرآن.
وأمام موضة الإعجاز العلمي لابد من التأسيس المنهجي للعقل الإسلامي الحديث، وأمام مفهوم أسلمة المعرفة لابد من تحرير العقل من الوهم والضلال.
قد راجت هذه الموضة حتى بارت. ومن حمل رايتها لم يتقدم كثيرا. وعلى  الرغم من النشاط المحموم للجان الإعجاز العلمي في اللقاءات والمؤتمرات فلم تصل إلى فتح علمي يتيم، إلا من همهمة وموافقة اللجنة، على اكتشاف علمي قام به كافر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر.
هذه الموضة، وهذا الاتجاه برمته، خطأ وخطر من ثلاث مداخل؛ شهادتنا ممن لا شهادة له من الكفار والملحدين ـ حسب وجهة نظرنا ـ  وإعلان غير مباشر لإفلاس علمي في مؤسساتنا بعدم إفادتنا بالخبر اليقين عن تحقيق أي فتح علمي في جبهة من جبهات العلم إلا التكرار العقيم والنقل السقيم. وقبل كل شيء فإن مهمة القرآن هداية وموعظة وليست دليلا من الفيزياء والكيمياء.
نعم مازلنا نرزح في الظل والضلالة مع كل النصوص، و(فيزو) بكشف سرعة الضوء و(آينشتاين) بالنسبيتين، وأفوغادرو بالرقم الجزيئي والتفاعل، و(لافوازييه) مكتشف الأكسجين ومحطم أسطورة الفلوجستون، و(مندل) أبو قوانين الوراثة، و(مندلييف) عبقري سلم العناصر المعدنية، كلهم وصلوا إلى محيطات شاسعة من العلم الرباني بدون نص احد من كتاب مقدس إلا قدسية العقل والعلم، ذلك أن الكون كله آية، وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم..
كيف نحدد موقفنا في قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وموجة تحميل الآيات الى كل كشف علمي جديد؟
أعجبني ما قاله الطبيب (محمد كامل حسين) أنها: بدعة حمقاء، وتفاءل كثيراً بعد مقالته أن يكون قد وأد هذه البدعة، ولكن البدعة أطلت بقرنين ولجان الإعجاز العلمي في كل مكان يزعقون مع كل فتح علمي أن هذا سبق به القرآن، وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم.
ويعجبني ما كتبه المفكر الجزائري (مالك بن نبي) عن الفرق بين ما يبحثه القرآن، وما يعمل عليه العلم، فالقرآن وظف نفسه ليس للبحث في القضايا العلمية من فيزياء نووية وكوسمولوجيا (علم فلك) وانثروبولوجيا (علم الإنسان)، بل كان اهتمامه مصبوباً على إيجاد المناخ العقلي الذي يوفر الجو  لنمو كل العلوم بشكل تراكمي سليم.
ويعجبني ثالثاً (الصادق النيهوم) حينما اعتبر القرآن أعظم كتاب بحث مشكلة تحرير الانسان من خلال مفهوم التوحيد، أكثر من أي كتاب آخر.
أما تدشين اتجاه كامل عن الإعجاز العلمي، والركض خلف العلوم والآيات وأيدينا مشرعة نصيح: لقد سبقتكم الآية بالكشف .. إنها موجودة في القرآن ! يحمل مجموعة من الأخطاء القاتلة تنتهي مع الانحراف عن كل رسالة القرآن، فليس أضر على قضية رابحة مثل الدفاع عنها بمحام خايب. والمحامون الخائبون في العالم العربي أكثر من رمل عالج في اليمن كما رأينا في بنت القذافي ومعها المئات في الدفاع عن الطاغية صدام. يقوم الفكر التقليدي والتراث كله على فهم أن المعجزة كسر للقانون واختراق للسنة؛ فحتى تثبت القدرة الإلهية يجب بناء الفوضى، ولكن لا يوجد خلف القانون إلا  اللا قانون.    
وحين نرى قدرة الله لا تظهر إلا بقدر خرق قوانين الطبيعة، وأن أقوى برهان على وجود الله زعزعة الثقة في نظام الطبيعة، هو جهل بالله وبالطبيعة وبالقانون على حد سواء، على حد تعبير فيلسوف التنوير الهولندي سبينوزا.
لقد ثبت فشل أسلوب المعجزة في التاريخ؛ فلم يؤمن فرعون مع تسع آيات بينات، وبقدر غزارة خوارق المسيح، قفز مسلسل البطش بالمسيح الى حافة المصلبة، كما راهن عليه الأنبياء الكذبة ومازالوا، والمسيح الدجال سوف يقوم بحملة معجزات تؤكد كذبه الى درجة إحياء الأموات.
وما سمي بالمعجزة انتظمت وفق قانونها الخاص الذي نجهله، لم يخرق فيه القانون أو يدشن الاستثناء، ولم يزد عن حدوث ظاهرة خاضعة لسنة الله في خلقه، مجهولة الكيفية لعقولنا، بسبب غموض قانونها أمام وعينا وقصور علمنا وقتها؛ فالله أجرى الوجود وفق سنته التي لا تتحول ولا تتبدل.  هكذا قال القرآن سنة الله في خلقه وخسر هنالك المبطلون.
لو عرض اليوم الفاكس معكوساً ألف سنة الى الخلف لاعتبروه خارقياً معجزاً، ولو استخدم التلفون أو الكمبيوتر زمن البعثة لكان معجزة لا ذرة للتردد فيها!!
المعجزة تعتمد الخلاب والخوارقية، والقرآن حرَّم على نفسه هذا الاتجاه، في اتجاه بناء عقل منهجي سنني، فلم يستجيب لطلبات المشركين الصبيانية، بطلب لائحة من المعجزات، تتراوح من فتح بئر ماء ارتوازي في الأرض، وبستان تفاح وعنب، وفيلا أنيقة، والعثور على كنز روماني في الأرض، الى إحضار الله شخصياً مع الملائكة فيما يشبه الاستعراض العسكري.
جاء في سورة الإسراء هذه القائمة من الطلبات التعجيزية السبع؟
وقالوا لن نؤمن لك حتى  تفجر لنا من الأرض ينبوعا(1) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب (2) فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (3) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا (4) أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (5) أو يكون لك بيت من زخرف (5) أو ترقى في السماء (6) ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه (7)؟ قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ؟”
ماهي الطلبات باختصار؟ إنها ليست كمبيوتر لاب توب؟ ليست انترنت متطور؟ ليست ماكينات صرف مالية في كل العالم؟ ليست علم النانو، والفيمتو ثانية، والانفجار العظيم، والميتوكوندريا في الخلية، والحامض النووي في ثلاث مليارات حرف، وتصنيع الجينات في معهد جيني أرت (Geneart) في ريجنسبورج في ألمانيا، ومزج الجينات بسلطة فواكه من البكتريا والنباتات والحيوانات؟
ليست كل هذا بل بئر ارتوازي؟ بستان من الفاكهة؟ بيت متحفي؟ الطيران في الفضاء؟ هبوط نيازك؟ ولكن أوقحها في قلة العقل حضور الله شخصيا مع الملائكة في استعراض عسكري، والعين البشرية تحترق بوهج بضعة آلاف شمعة، والسمع ينطفيء مع 200 ديسبل؟ مع بعض مكبرات الصوت في أماكن في العالم الإسلامي، فإذا أذن المؤذن نفخ في الصور؟
لقد طلب موسى رؤية الله، وهو جهل منه بقدر العين في استيعاب الأشعة الكونية ومقدار الشمعات، فخر صعقا، وحين نريد رؤية الفيروس لابد من المجهر الإلكتروني، وحين نريد رؤية الذرة لابد من البروتوني، ولكن هناك حواف حدية تتهاوى عندها قوانين الفيزياء والبيولوجيا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية