نحن في الطائرة التي تحمل القنبلة الذرية، يصيح قائد الطائرة “اينولا جاي” من نوع B29 الكابتن “تيبتس”: إنها هيروشيما! ثم نظر الى بارسونز مساعده بعد أن هبطت القاذفة، مخترقة فتحة من السحب، وسأله: هل هي هدفنا بالضبط؟ أجاب بارسونز بهز رأسه موافقا فهو يعرف المدينة ذات الأذرع الثمانية المستلقية بارتخاء تحتضن البحر. صاح تيبتس بطاقم الطائرة: أعدوا نظارات “لحام الأكسجين” للحماية؛ فالوهج الذي سينطلق سيعمي العيون كما أفادنا علماء لوس آلاموس! عند الساعة 8.13 هتف تيبتس بمساعده الثاني “توم فيريبي TOM FEREBEE” لقد جاء دورك الآن! فتولى الآخر قيادة الطائرة، التي كانت السرعة فيها تشير الى الرقم 460 كيلومترا في الساعة.
كانت المدينة معروفة تماماً لتوم فيريبي؛ فهو يعرف نهر “الاوتا OTA” الذي تتشعب منه سبعة فروع، كأنها راحة اليد المفتوحة، كما يعرف جسر ايواي “AIOI” المشهور، ذو شكل حرف T باللغة الانجليزية.
في هذه اللحظة اقتربت القاذفة تماماً من نقطة الهدف، وعند الثانية 17 بعد الدقيقة 15 من الساعة الثامنة، باضت القاذفة البيضة الكبيرة، ذات الاطنان الأربعة من بين رجليها، مثل الحامل. كذلك كانت القنبلة بعد حمل استغرق أكثر من سنتين “انطلق العمل منذ عام 1942”.
مالت القنبلة أولاً الى الجانب، ثم استقرت وأنفها المسطح نحو الأسفل، وزودت بمظلتين. عندما تحررت الطائرة القاذفة من هذا الثقل حلقت الى الأعلى بكل قوة؛ فالأوامر كانت تقول كما في نكبة قوم لوط والبركان: “ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون”.
بدأ العد التنازلي للثواني 43 القادمة؛ فالمفروض أن يحصل الانفجار على ارتفاع خمسين متراً، وفي تمام الساعة 8.16 من صباح ذلك اليوم النحس، “فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل منقعر”.
عندما وصل العد الى 35 ثانية، وضع الطيار نظارة الوقاية “التي تستخدم في لحام الاكسجين” ولكنه لم ير شيئاً فرماها جانباً، وصاح هل ترون شيئاً؟ أجاب أحدهم لا شيء على الاطلاق!.
كان خوف الأميركيين كبيراً أن تفشل التجربة، حيث إن هذه القنبلة لم تجرب في منطقة آلامو جوردو لثقتهم العالية أنها لن تخيب.
ولكن كيف بنيت قنبلة هيروشيما؟ يعتمد بناء السلاح الذري الانشطاري على استخلاصه من اليورانيوم 238 في طريقين الأول: استخلاص اليورانيوم المكثف 235 وهو بمعدل سبع ذرات من كل ألف ذرة يورانيوم 238 من المادة الخام، أي أن كل “1000” ألف ذرة يورانيوم خام فيها 993 ذرة غير قابلة للانشطار، وسبع ذرات 235 صالحة لبناء السلاح النووي فهي ذرات قابلة للانشطار من النوع غير المستقر.
والثاني التلاعب باليورانيوم 238 وقلبه الى 239 غير مستقر قابل للانشطار بدوره، وأعطي لقب بلوتونيوم من الكوكب التاسع بلوتو! وكما نرى فهناك طريقة صعبة مكلفة ولكنها صناعية أسرع وأسهل ويمكن إنتاجها باستمرار، وتتم عن طريق المفاعل النووي، الذي ركبه انريكو فيرمي الايطالي للمرة الأولى في تاريخ الجنس البشري مع نهاية عام 1942 عندما أرسل برقيته الشهيرة الى الرئيس الأميركي دولانو روزفلت يقول فيها: لقد رسى الملاح الإيطالي على الأرض الجديدة!.
بقي أن نقول إن قنبلة البلوتونيوم 239 هي التي أنتجها مخبر لوس آلاموس الذري، وتم تجريبها في الساعة الخامسة والنصف من صباح 16 يوليو عام 1945 وهي التي قصفت بها مدينة ناغازاكي، أما قنبلة اليورانيوم 235 المخصب فلم تجرب لثقتهم بنجاحها، وتم تركيبها في مختبر “أواك ريدج” عند التنيسي وهي التي قصفت بها مدينة هيروشيما.
ولم تكن الولايات المتحدة تملك أثناءها سوى عدد لا يتجاوز أصابع اليد، ولكن سر السلاح النووي أصبح في يدها، وبالتالي يمكنها تصنيع العدد الذي تريده، قبل انتقال سره الى الآخرين، كما حدث لاحقاً عندما فجر الاتحاد السوفيتي أول قنبلة له عام 1949 م قنبلة “جو” الأولى نسبة الى جوزيف ستالين، وبدأت رحلة التسابق النووي التي عاصرناها كما عاصرنا نهايتها، وتوقف العالم عن السير في رحلة القوة، وبدء رحلة السلام، ونزع فتيل الحرب ومعه السلاح النووي.
نتابع المشهد الجنائزي فوق هيروشيما.
كان اللويتنانت “ملازم ثاني” نوريس جبسون يعد بفارغ الصبر، وعندما وصل الرقم الى 43 توقف عن العدّ، وللحظة ظن أن التجربة قد فشلت، ولكن في هذه اللحظة أشرقت الأرض بنور وهاج يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار؛ فالتمعت كل الطائرة، وأبصر “بوب كارون” الذي كان في المؤخرة بزوغ حلقة مرعبة من الضوء، صعدت كالعملاق الى الأعلى، وكأنه الضوء القادم من كوكب آخر، وانطلقت قوة عاتية قذفت بالطائرة الى الأعلى، مما أطلق صفارات الإنذار داخلها، وسمع تيبتس ما يشبه طلقة المدفع العميقة من عيار 88 ملمتر، بعدها بقليل ارتجت الطائرة رجا بقوة أخرى! صاح تيبتس: إنها قوة الضغط المعاكسة حافظوا على النظام.
كانت مدينة هيروشيما تمسح من الوجود وكان “بوب كارون” يسجل: “ارتفع عمود فظيع من الدخان الى الأعلى وبسرعة، في وسط العمود نار حمراء. كانت الحرائق تلتهم كل شيء.. كانت كثيرة للغاية.. أكثر من أن يحصيها العدد... والآن جاءت.. جاءت.. لقد تشكل ما يشبه رأس الفطر الذي نراه في الحقول.. انظروا.. انظروا الى هذا المنظر العجيب”.
صعق تيبتس من هول ما رأى وقال: “لم أكن أتوقع تدميرا كهذا تراه عيني... ثم أرسل تلكس الى القاعدة الجوية في تينيان “TINIAN”: تحقق التدمير والنتائج ممتازة.
صاح بارسونز: ماذا أرسلت؟ إن هذا لا يكفي! وعمد الى إرسال تلكس آخر: كانت النتائج ناجحة، وذات أثر أكبر مما حصل في تجربة آلامو جوردو.
الا أن الرعب تملك بقية طاقم الطائرة، وارتسمت علامات الخوف على وجه لويس مساعد القيادة، وأخذ يخاطب نفسه: رباه ماذا جنت يدانا.. ماذا فعلنا.. ماذا فعلنا!.