يعتبر الحبس الانفرادي للسجين عذاباً لا يطاق بسبب الوحدة، وألم الوحدة مصدره فقدان الاتصال بالعالم الخارجي ومواجهة الذات.
جاء في كتاب “الخواطر” للفيلسوف الفرنسي “باسكال”: “كلما حاولت البحث في أفعال الإنسان المختلفة وجدت أن شقاء الناس كله راجع إلى أمر واحد هو عجزهم عن الاعتكاف ومن هنا جاء ولع الناس بالضوضاء والجلبة ومن هنا كان السجن عذابا مريعا ولذة الوحدة أمرا يستعصي فهمه”.
مواجهة الذات إذاً هي ذلك الحقل المملوء بالصخور والعناء والمجهول، وهذا يعني بكلمةٍ أخرى أن أعظم اكتشاف لم نمارسه بعد هو معرفة حقل النفس الداخلي، وأن القارة المجهولة التي لم نطأها بأقدامنا بعد؛ ليست تلك المختفية وراء لجج المحيطات، بل هي دماغنا الذي نتعامل بواسطته مع العالم كل لحظة حتى في النوم.
لم يكن عبثاً أن تكررت قصة آدم والشيطان في كل الكتب المقدسة لأنها تحمل مجموعةً ضخمةً من الرموز لكل تجليات الوجود الإنساني، فالتناقض بين موقفي آدم والشيطان والتبعات الرهيبة التي بنيت عليهما؛ انبثقت من هذه الحركة في اتجاه النفس للداخل أو الخارج؟ في مراجعة الذات أو في اتهام الآخر؟ فالشيطان اختار الأسهل؛ فأخرج نفسه من المشكلة؛ فهو غير متهم ولا ملام عن موقفه؛ حين أحال خطأه إلى مصدر خارجي فعزاه إلى الله “بما أغويتني”، فهو إذاً لم يخطئ.. هو إذاً كامل؟!.
بكلمة أخرى رفع نفسه إلى درجة الكمال الإلهي الذي لا يعتريه النقص ولا يقاربه الخطأ!! في حين كان موقف آدم أنه قام بمراجعةٍ قاسيةٍ للذات، وكانت المرأة “زوجته حواء” معه يداً بيد في هذا الاختبار القاسي، الذي لولاها ودعمها ودفئها الروحي ما نجح فيه، فأنشد كلاهما “ربنا ظلمنا أنفسنا”، فالمرأة هنا لعبت الدور المصيري في إنقاذ الجنس البشري؛ كونها خزان الرحمة الذي لا ينضب، خلافاً للأسطورة الشائعة أن حواء هي التي أغوت آدم بالخطيئة؛ فأكل التفاحة من الشجرة المحرمة، ومع هذه المراجعة النفسية ومواجهة الذات والاعتراف بالخطأ، أمكن لنا نحن البشر أن ندشّن إمكانية الارتفاع بدون توقف في رحلة العروج الروحية إلى الله، في الوقت الذي فشل الشيطان في الرهان.
هناك مجموعة من الأفكار “التأسيسية” يجب أن نتعلمها ونعيدها ونحييها في الثقافة من جديد، ولا مانع من صياغتها على شكل قواعد، وفكرة النقد الذاتي من جملة هذه الأفكار “الحيوية” فهي تؤسس عندنا أن لا نلوم أحداً عند وقوعنا في الخطأ، مع كل إدراكنا الكامل أن الآخر مشترك في توليد الحدث، حرصاً على مبدأين:
الأول: “توفير الطاقة” فاللوم يشل طاقة الاستنفار للعمل والإصلاح كونه يحذف الذات من الحدث طالما كان كبش الفداء الممثل في الآخر موجوداً.
والثاني: “توجيه الطاقة” للعمل في الحقل المفيد. فطريقة “الشيطان” حينما قام بتبرير خطئه بأنه غير متسبب فيه وأن الله هو الذي دفعه إليه “بما أغويتني” ترتب عليها أنه دخل في طريق اللاعودة بالنسبة للتوبة والرحمة، أي قطع الطريق لأية إمكانية في الإصلاح المستقبلي، ومن الغريب أن الشيطان ينتبه إلى هذه الحقيقة ولكن بشكل متأخر حيث لا فائدة، فالقرآن يذكر عنه أنه يقوم “يوم القيامة” فيعترف أنه لم يكن له سلطان على الناس “إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم”، وهذه الحكمة التي نطقها الشيطان تمثل قانوناً صارماً في التعاملات اليومية، وهي أن لا نسلط اللوم على أحد حتى ولو كان الشيطان!
آلية النقد الذاتي ترى أن هناك حقلين متشابكين للأحداث “داخلي وخارجي” ولا يوجد حدث بدون تشابك مجموعة العناصر هذه، ولكن هذين الحقلين مختلفان للغاية من ناحية الاتصال والتأثير، ولذا فهي تتوجه إلى الحقل المفيد، حيث يمكن التأثير في مجموع الأحداث، من خلال تبديل الحقل الداخلي الذي نستطيع أن نتدخل فيه بجراحات خاصة هي ضمن إمكانياتنا، ونصل بالتالي إلى تغيير شكل الحدث بالكامل، ويتولد من هذا المعنى نتيجة عملاقة عن دور الإنسان في هندسة الأحداث والتخلص من الآثار النفسية الضارة للاستلاب تجاهها.
النقد الذاتي كما نرى أداة رائعة لنمو الذات ونضجها وليس كما يخيل للبعض أنها أداة نهش وتجريح. وكان علماؤنا سابقاً محقين حينما عكفوا على إنتاج علم رائع لتمحيص الحديث الذي جُند كأداة في حرب الفرق المتصارعة، فأسسوا علماً في إطار “النقد الذاتي” أعطوه لقب علم الجرح والتعديل.
لعل القرآن انفرد بمصطلح غفل عنه العالم الإسلامي حتى اليوم وهو “ظلم النفس” فعشرات الآيات المتناثرة تؤسس معنى يمشي في اتجاه واحد وهو أن الظلم في تجلياته العظمى “ظلم الإنسان لنفسه” أكثر من ظلم الآخرين أو أية جهة خارجية “فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” وهذا يكشف الغطاء عن أعظم آلية خلف العطب النفسي - الاجتماعي بأن العجز والخطأ هو داخلي بالدرجة الأولى، وبذلك نفهم أيضاً طرفا من “ميكانيكية الدعاء” فهي توجه داخلي.. وتذكير للنفس.. تأمل وجداني.. وشغف وتعلق وتمن للوصول إلى حالة نفسية، وهو ما يسمى في علم النفس بـ “قانون التوقع ـ EXPECTANCE LAW” فعندما ترغب النفس في شيء وتحرص عليه وتتوجه إليه يتحقق في العادة.
وعندما شعر نبي الله يونس عليه السلام أنه غرق فجأة في بطن الحوت لم يلعن الظروف التي قادته إلى هذا المصير الفظيع والظلمات تطوقه من كل جانب بل توجه باللوم إلى نفسه “فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”.