في صباح 16 يوليو من عام 1945م، ـ وهو العام الذي ولد فيه كاتب هذه المقالة ـ وفي ضباب البحر الذي يغلف ميناء سان فرانسيسكو، على الطرف الثاني للولايات المتحدة على المحيط الهادي، تحركت البارجة (إنديانا بوليس) وغابت في عباب بحر المحيط، باتجاه جزيرة (تينيان) على بعد تسعة آلاف كيلومتر، حيث القاعدة البحرية الأميركية هناك، وعلى ظهر البارجة المذكورة، ثُبِّت جهاز على شكل اسطوانة (في حجم اسطوانة غاز المطابخ) لا يزيد قطره عن (45) سم وارتفاعه عن (60) سم، كُلف بحراسته اثنان من الضباط.
كل ما يعرفون عنها أن اسطوانة الغاز هذه اسمها (البرونكس) وأنها شيء لا بديل له أو تعويض، فهو أغلى من الغالي وأنفس من الدرر الثمينة!.
أُوعز إليهم أن لا تفارق عيونهم هذه الاسطوانة العجائبية، وفي حال تعرض البارجة للخطر أو الغرق؛ فيجب إنقاذ هذه الاسطوانة العجيبة ولو بحياة كل البحارة!. هي مهمة فظيعة كما نرى.
ولكن ما هو محتوى أسطوانة الغاز هذه ولماذا كل هذا الخوف من ضياعها وماذا بذل فيها؟ هل داخلها جني المصباح السحري سنعرف بعد قليل ففيها ما هو أعظم من جن نبي سليمان جميعا.
في نفس هذا الصباح وعلى الشاطئ الآخر من الاطلنطي، كان الرئيس الأميركي (ترومان) يجتمع مع (ستالين) على مائدة المفاوضات بين أنقاض وخرائب المدينة الألمانية (بوتسدام) في صدد تقسيم العالم والنفوذ في مرحلة ما بعد الحرب الكونية الثانية!.
كان يوما بهيجا لهم مقيتا للألمان قد علت البهجة وجه الرئيس الأميركي، وغطى السرور محياه، ظهر ذلك في حركات يديه وعينيه، بعد أن وضعت بين يديه البرقية (العملية تمت صباحاً. التشخيص لم يكتمل بعد. يبدو أن النتائج مطمئنة. وفاقت كل التوقعات).
وفي يوم 6 اغسطس وعند الساعة الثامنة صباحاً تحركت مجموعة من الطائرات من طراز ( ب ـ 29 ) سميت بالمجموعة (509) الخاصة، وأخبر الطيارون بإلقاء الحمولة ثم الاندفاع إلى أكبر علو ممكن (ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون)؟!.
كان الجحيم يشتعل فوق هيروشيما في جهنم لا تبقي ولا تذر.
أصرت اميركا، وبتوقيع واحد من الرئيس الأميركي على ضرب مدينتين هما (هيروشيما) و(ناغازاكي)، وحرق مئات الآلاف من الناس بالنار النووية الجديدة.
نحن في كلامنا هذا لسنا في صدد إدانة طرف ولا تنزيه آخر، فلو امتلك (هتلر) أو (محاربو الساموراي) هذا السلاح لاستخدموه أيضاً، لأنهم ينهلون من نفس ثقافة (القوة والجبروت)!.
نجت مدينة (كيوتو) الجميلة الأثرية التي هي مثل الكعبة والمدينة المنورة للمسلمين، نجت من براثن الموت والحرق، تحت ضغط وزير الخارجية الأميركي بيرينز، لأن (ليزلي جروفز) الرأس المخطط العسكري لمشروع (مانهاتن) الاسم السري لتطوير السلاح النووي، كان يخطط لتدمير هذه المدينة، لتكون قاصمة الظهر للشعب الياباني باعتبارها المدينة الدينية لليابانيين، كما أن عدد سكانها يصل إلى المليون وفيها ثلاثة آلاف من المعابد ولكنها نجت بمحض الصدفة وتدخل إنسان سياسي!.
سطعت الشمس النووية فوق هيروشيما معلنة امتلاك الإنسان وقود النجوم، وإمكانية إفناء جنسه العاقل بنفس الوقت، ووصول الإنسان إلى القوة التي لم يحلم بها إنس ولا جان.
ومن حريق هيروشيما في ساحة النيران وقوافل الموت، بعد أن أخذت يد الموت رقماً مرعباً، وحل على الأبدية في صدمة لم يعهدها سكان العالم السفلي، حيث دخلها في دقائق معدودة قرابة مئة وخمسين ألفاً من عباد الله، وما تبقى منهم جاء وصفهم على لسان كاتب ياباني معروف هو (يوكو اوتا) ما يلي: (لم أتوصل بسهولة إلى فهم كيف استطاعت بيئتنا أن تتحول إلى هذا الشكل خلال لحظة، وظننت أنه من المفروض أن يكون قد حدث شيء ما، لا علاقة له مطلقاً بالحرب، إنها لاشك نهاية العالم، كما كنت اقرؤها في الكتب عندما كنت طفلاً).
أو ما رواه شاهد عيان: (بعد قليل شرعت مواكب المعوقين من جميع الأنواع والأشكال، لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، تتهافت وهي تنزح من وسط المدينة، باتجاه الضواحي المحيطة بها. كانت أذرعهم تتدلى، ووجوههم ليس فقط جلود أيديهم وحدها، بل أيضاً جلود وجوههم وجميع أطرافهم كانت تتساقط مهترئة، ولو اقتصر الأمر على شخصين أو ثلاثة لهان الأمر، ولكن حيثما كنت أتوجه كنت أصادف مثل هؤلاء البؤساء، كثيرون سقطوا أمواتاً على طول الطريق، ومازلت أراهم ثانية وهم يتقدمون كالأشباح، ولم يبد عليهم أنهم ينتمون إلى هذا العالم، وبسبب جراح اولئك الناس لم يكن بالإمكان أن يعرف فيما إذا كنا نراهم من الوجه أو الظهر).
بقي أن نضيف في النهاية حادثة عجيبة من تصاريف الدهر في رحلة البارجة إنديانا بوليس هذه فقد غرقت ولكن ليس في رحلة الذهاب بل العودة، حيث أُصيبت في يوم (26) يوليو بعد عشرة أيام من رحلة انطلاقها من سان فرانسيسكو، وبعد تفريغ حمولة (الاسطوانة!) في جزيرة (تينيان)، حيث ضُربت بطوربيد من غواصة يابانية، جعلها تهوي إلى القاع في (12) دقيقة، ولم ينج من بحارتها البالغ عددهم (1196) بحاراً سوى (315) رجلاً فتأمل المصادفات!!.