بقي الإنسان لفترة تزيد عن ثلاثة ملايين سنة شيئاً غير مذكور، ودشن الثورة الزراعية قبل عشرة آلاف سنة، وبزغت (28) ثماني وعشرين حضارة من رحم ما يزيد عن (600) ستمائة مجتمع بدائي مرت على الأرض، ومع بزوغ الحضارة الإنسانية قبل (6000) ستة آلاف سنة بدأت معها وعلى نفس الوتيرة دورات الحرب المريعة، كل جولة أشد هولاً في إيقاعها من التي قبلها، وأعظم تدميراً وإراقة للدماء.
وبين عام (1496) قبل الميلاد وعام (1861) بعد الميلاد أي خلال (3357) عاماً كان هناك (227) عاماً انتشر فيها السلام مقابل (3230) عاماً وقعت فيها الحروب، وهذا يعني أنه كان هناك عام واحد للسلام مقابل (13) عاماً للحرب!
وبين عامي (1740) و(1974) ميلادي حصل في العالم (366) نزاعاً مسلحاً أودى بحياة ما يزيد عن (85) مليون إنسان؟
فهل هذا قدر لا يرد أم ثقافة مصنوعة؟ وما هي فلسفة البؤس هذه؟ كيف نفهم مسير بانوراما القوة عبر التاريخ؟ هل هناك أمل يقدحه زناد العلم في هذه الأوساط الإنسانية المأساوية، المشبعة بالإحباط، الغارقة في المعاناة، المليئة بالأنين، الملطخة بالدم، المفعمة بالأحقاد والكراهيات المتبادلة؟
إن العلم الحديث يكشف الغطاء عن مفاجأة كبرى، هي أعظم من كل حلم راود القديسين، ووعظ به الأنبياء، وبشر به المفكرون، ونادى به المصلحون. لنسمع هذه القصة الشيقة والمروعة.
كان سائق القطار السيد (ادلين) يمشي من مدينة (البوكيركي) باتجاه مدينة (الباسو) في مقاطعة (نيومكسيكو) باتجاه الجنوب، بمحاذاة نهر (ريو جراند).
كانت عقارب الساعة تشير تماماً إلى الساعة الخامسة والنصف صباحاً من يوم (16) تموز ـ يوليو من عام (1945) ميلادي. كان القطار يتعرج في مسيره، معتلياً السكة الحديدية في طريقه الطويل، وكان نور القطار يلقي بظلاله بين الفينة والأخرى على شجر الحور والنباتات المتعانقة على شط النهر، وباستثناء بعض التحويلات في الطريق، لم يكن يسمع (ايدلين) سوى قعقعة عجلات القطار.
كانت أمريكا في ذلك الوقت والعالم في نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان التوقيت الزمني في الولايات المتحدة قد قُدِّم ساعتين، وكانت الظلمة تحيط بالقطار في مسيره الصاخب.
فجأة وقبل الثواني الأخيرة من الساعة الخامسة والنصف من ذلك الصباح، شهد (ايدلين) ظاهرة رُوع لها، حيث لمح توهجاً مخيفاً عبر الأفق، سرعان ما استحالت بعدها السماء إلى لونٍ برتقالي غريب، ثم صعدت ثلاث حلقات من الدخان الفظيع إلى كبد السماء، ثم أضاءت الدنيا وكأنها رابعة النهار، ثم سمع ما يشبه الإعصار المدمر، يتحرك بقوة غير معهودة من طرف تلك الظاهرة العجيبة.
احتار (ادلين) في تفسير هذه الظاهرة الفريدة، وظن أن هذا التوهج ـ كما روى فيما بعد ـ والذي سطع من الأفق الجنوبي هو مذنب ارتطم بالأرض من الفضاء الخارجي!
كذلك رُصدت هذه الظاهرة من أقوام آخرين؛ فالزوجين (ويسل مان) كانا قد قضيا تلك الليلة في (سافورد) بمنطقة (أريزونا)، ثم تابعا السير بعد منتصف الليل، على الطريق الاتحادي رقم (70)، وتماماً وعلى حدود نيومكسيكو، وعلى بعد حوالي (250) كم من (آلاموجوردو) روت السيدة (ويسل مان) في اليوم الثاني في مدينة (الباسو) لجريدة (الهيرالد بوست) مشاهدتها: (كان الليل مازال مخيماً بسواده، عندما ارتفع فجأة عند منتصف الساعة السادسة وهج من السماء، أضاء رؤوس الجبال التي كنا نمشي بحذاءها، بلون أحمر برتقالي، في حين تألقت المنطقة المحيطة بنا لعدة ثواني، لكأننا في ضوء النهار، ثم حل الظلام مرة أخرى، لقد روعتني المشاهدة، حتى خيل إلي أن الشمس بزغت فجأة ثم اختفت).
أما سكان قرية (كاريثوثو) التي تبعد (65) كم فقط من (آلاموجوردو) فقد رُوِعوا في منامهم، فانطلقوا مذعورين من فرشهم الدافئة، وقد استولى عليهم الرعب، في حين كانت بيوتهم ترقص من الرجفة وكأن ماردا أو قوة عاتية لاعهد لهم بها تلعب ببيوتهم.
لقد اعتقد (لويس فاريس) يومها وهو من سكان القرية، حينما فر مذعوراً على وجهه (أن أبواب جهنم قد فتحت)!.
ولكن ماذا قالت الجرائد المحلية في اليوم التالي لبزوغ هذه الظاهرة الكونية، والتي لم ينجح أحد في تفسيرها؟!
لقد ذكرت أن انفجاراً ضخماً حصل لمستودع ذخيرة تابع للجيش الأمريكي! وبهذا التفسير في جرائد منطقة (نيومكسيكو) تم تفسير بزوغ الشمس مرتين في ذلك اليوم التاريخي!.
وعندما سطعت الشمس النووية، وحلَّق (الفطر النووي) البئيس فوق مدينة (هيروشيما)، وطوى تحت جناحيه أشباح وأرواح عشرات الآلاف من البشر، عندها أدركت عائلة (ويسل مان) وسائق القطار (ايدلين) والمذعور (لويس فاريس) من قرية (كوريثوثو) أنهم كانوا الشهود الأوائل على سطوع الشمس النووية الجديدة، بل وولادة عصر جديد.
وتبين أن ماشاهدوه كان في الواقع تجربة أول انفجار نووي على ظهر الأرض، في صورة تفجير قنبلة البلوتونيوم 239.