الدعم الحكومي للسلع والخدمات سياسة قديمة لجأت اليها الحكومات المختلفة في ازمان مختلفة لتخفيف وطأة الاسعار عن مواطنيها الاقل حظا من الناحية المادية ودائما ما تستهدف السلع الاساسية التي لاغنى عنها مثل الخبز والوقود، كما ان هناك دولا تقدم دعما حكوميا للانتاج الوطني الزراعي والصناعي لزيادة قدرته على المنافسة امام سلع الدول الاخرى الارخص ثمنا منعا لانهيار القطاعات الاقتصادية تحت وطأة المنافسة.وعلى الرغم من ان الدعم الحكومي قد ساهم بشكل مباشر في تخفيف الضغط عن الفقراء في دول عديدة لفترة طويلة من الزمن الا خبراء الاقتصاد في العالم اكتشفوا ان الدعم الحكومي للسلع والخدمات والصناعة لا يخلو من اضرار اقتصادية بنوية اذ انه اشبه ما يكون بالمخدر الذي يخفف الالم عن المريض ولكنه لا يشكل علاجا له وعلى المدى الطويل يسبب الادمان عليه بما يعود عليه بالضرر اكثر من النفع ,ولذلك بدأت الدول المتقدمة بإلغاء جميع انواع الدعم عن السلع والخدمات واستبدلته بسياسات اكثر فاعلية وجدوى على المدى البعيد ناهيك عن ان اتفاقية التجارة العالمية تمنع الدول الموقعة عليها من تقديم اي دعم على السلع والخدمات تعزيزا لمبدأ المنافسة الشفافة.ولو تطرقنا الى سياسة الدعم في مملكة البحرين تحديدا فسنجد ان قطاعات كبيرة مشمولة بالدعم الحكومي وتقدم بأسعار لا تتناسب ابدا وكلفتها الحقيقية نذكر منها على سبيل المثال قطاعات الوقود بجميع انواعه والطاقة والمياه والخبز والخدمات الصحية والاسكان وغيرها.وعلى الرغم من ان حياة المواطن البحريني وميزانية اسرته اصبحت تعتمد اعتمادا كبيرا على هذا الدعم للأسعار وخصوصا الطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل، الا ان هذا الدعم بشكله الحالي له اضرار كبيرة على الاقتصاد الوطني ويحمله اعباء لا جدوى منها ونذكر على سبيل المثال ان الدعم الغير محدود لوقود السيارات يسبب اسرافا في استهلاكه بشكل غير مبرر من خلال لجوء المستهلك الى شراء سيارات بحجم محركات اكبر بكثير من الحاجة وما يرافقها من استهلاك جنوني للوقود او حتى المشاهد المؤلمة عندما يترك شخص سيارته تعمل في الصيف ساعة من الزمن وهو خارجها لمجرد ان تبقى باردة حين عودته اليها.ان هذا الاستهلاك غير الواقعي للوقود يحمل في طياته ايضا أضرارا بيئية تتمثل في كمية الغازات التي تتسرب الى الجو والانبعاثات الحرارية التي تضر كوكب الارض بشكل عام.كما ان رخص اسعار الديزل ادى الى نشوء عصابات متخصصة في تهريبه عبر البحر الى دول اخرى يباع فيها باسعار مضاعفة عن اسعار البحرين وبالتالي فان الدعم الحكومي يذهب الى جيب عصابات التهريب بدلا عن المواطن .ويذكر ان رخص اسعار الكهرباء والماء المدعومين هو الآخر ادى الى عدم لجوء المواطن الى اساليب العزل الحراري التي توفر استهلاك الطاقة الكهربائية للتبريد او التدفئة ولذلك نرى ان البيت في البحرين يستهلك من الكهرباء سنويا 5 اضعاف مثيلاته في دول اخرى، وكذلك استهلاك المياه بشكل مفرط وترى في كثير من الاحيان شخصا صنع بحيرة من الماء لمجرد غسل سيارة واحدة امام بيته .والامثلة كثيرة جدا ولا يسع هذا المقال المختصر ذكرها كلها ولكن الواضح ان هذا الدعم يذهب في احيان كثيرة الى جيوب من لا يستحقه او في احسن الاحوال لايحتاجه ومثلا فإن من يشتري سيارة بعشرات الآلاف من الدنانير لا يعجز عن دفع ثمن بنزينها ومن يسكن فيلا بمئات الآلاف لا يعجز عن دفع ثمن كهربائها ومائها بالأسعار الحقيقية.
ولكن إلغاء الدعم بشكل فجائي وغير مدروس بدقة سيزيد الضغط الاقتصادي على الطبقة محدودة الدخل ويزيد من الاعباء الاقتصادية عليها مثلما استمرار الدعم بشكله الحالي سيزيد من عجز الموازنة عاما بعد عام وقد يصل الى مرحلة يشل فيها الاقتصاد الوطني ويمنعه من الاستثمار في البنى التحتية والمشاريع التنموية التي تهدف الى تحسين حياة المواطن البحريني.ان الحل الامثل يكمن في توجيه الدعم للفئات المستحقة بشكل مباشر يتناسب مع مدخولها الشهري ودفعه لها بشكل نقدي يمكنها من دفع فارق الاسعار عن السلع والخدمات التي سيتم تحريرها من الدعم وعرضها في السوق الاستهلاكية بقيمتها الحقيقية وبذلك تضمن الدولة ان الدعم يصل فقط الى من هو بحاجة إليه اولا وبالكميات التي يحتاجها ودون افراط ثانيا.
ان جهود وزارة المالية ومجلس النواب يجب ان تتضافر لايجاد الآليات الانسب لاستبدال سياسة الدعم ببدائل اكثر فاعلية للمواطن والدولة والاقتصاد الوطني في آن واحد , اذ ان ايجاد الحلول الفاعلة لهذه المسألة سيجنب الاقتصاد البحريني المزيد من المشكلات وفي نفس الوقت سيحافظ على مستوى حياة المواطن البحريني دون تغيير او إضرار بها بأي شكل كان. علما بأن الحلول والبدائل للدعم تختلف من بلد الى آخر وما قد ينجح في بلد آخر لا ينجح بالضرورة في البحرين.
ان تأكيد سمو رئيس الوزراء الامير خليفة بن سلمان آل خليفة - حفظه الله - على عدم السماح بأن يلحق اي ضرر بالمستوى المعيشي للمواطن البحريني وقراره الشجاع بتعليق رفع الدعم عن اسعار وقود الديزل دليل جاد على ان الدولة تقبلت تحمل الاعباء المالية رغم كل المشاكل والمحدوديات في سبيل راحة ورفاهية المواطن ولكن ذلك لا يمنع من القيام بدراسات جدوى للبدائل اولا والقيام بعمل اعلامي توعوي حول اي سياسات بديلة عن الدعم ثانيا منعا لأي التباس في الفهم لدى المستهلك اولا وبعض المتصيدين في الماء العكر ثانيا وان كانت هذه البدائل على المدى البعيد فتغيير سياسة اقتصادية مترسخة منذ عقود من الزمن ليس بالامر السهل.