العدد 2121
الثلاثاء 05 أغسطس 2014
طيور الظلام محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 05 أغسطس 2014



هل هذا هو الربيع العربيّ الذي بشرونا به؟ عندما كنا صغارا كنا نشتاق إلى قدوم الربيع لنعانق جماله ورائحته. كان يمثل لنا – نحن الصغار – عالما من الحلم ولا يزال قابعا في تلافيف الذاكرة بوصفه أجمل ايام العمر. والربيع يقترن بالفرح والبراءة الى أقصى الحدود ربيعنا اليوم يجيئ خالياً من الاشياء البسيطة والصغيرة تلك الاشياء التي لطالما لونت ربيعنا وأعطته ذلك الطابع الجميل.
أصبح الربيع زائرا غير مرغوب به لما يحمل من كمية الرعب في داخله، لقد فقد بهجته وألوانه ورائحته التي عشقناها. هذا الربيع لا يشبه نفسه ولا يحمل من اسمه شيئا. فقد لونه الأخضر تماما وتحول الى أحمر قانٍ باعث على الحزن والضجر، لا شيء به يدعو الى الفرح حتى بتنا نردّد أيّ ربيعٍ هذا الذي يحيل حياتنا الى الكآبة والأحزان؟
ليس هذا الربيع الذي اطلقه فتيان العرب ومن قدّموا من أجله أرواحهم، الذي اتضح جليا انّه ليس الاّ اضغاث احلام. انّ هؤلاء الشباب فوجئوا بمن ينقضّ على احلامهم ليجهضها في الخفاء كالخفافيش التي تعمل في الظلام. ومن كان ينتظر شيئا من هذه الكائنات الظلامية لذا فإنّها تخاف ضوء النهار ولا ترنو الى الفجر ولأنّ ليلها حالك فإنّ دأبها نشر الخراب والدمار.
كم هللنا وفرحنا بقدوم الربيع العربيّ الأخضر ورقصنا في الساحات ابتهاجا بقدومه كما فعل زوربا في ساحات روما وحتى كتاباتنا غلفها الزهو والعنفوان وأحيانا نبرة التعالي وجميعها مقبولة طالما كانت الأهداف ترمي الى تحرير الأوطان العربية ممن استعبدوها لعقود من الزمن. وأضحت قناعتنا أننا سائرون الى الزمن العربيّ الجميل لكن هل فعلاً أكملنا خططنا التحررية؟
إننا نعرف كما يعرف العالم بأسره أن ليس هناك من ربيع ولم ننتصر نصرا نهائيا كما صوره لنا كتابنا ومثقفونا وأنّ الأنظمة التي تهاوت من عليائها لم تكن في حقيقتها الاّ اعادة انتاج لزمن القهر والتسلط. كل الذي تغيّر هو الشكل الخارجيّ اي أننا استبدلنا صورة الزعيم بزعيم آخر ربما الأحدث هو أشدّ دكتاتورية مما كان عليه سلفه بأضعاف.
الذي حدث على خريطة الوطن العربيّ ما كان يجب أن يدفعنا الى الغرور والربيع العربي الاّ مؤشراً بالغ الدلالة على أنّ الدرب العربي نحو التحرر طويل وعسير. الثورات العربية منحتنا أملا كنا بحاجة اليه وكشفت عما تتمتع به اجيال امتنا من طاقات هائلة.
الحقيقة التي لا يريد كل عربي الاعتراف بها أنّ الربيع العربيّ تحول الى خريف قبل ان يزدهر وتتفتح ازهاره والطيور التي آذنت بالفجر الجديد فرض عليها الصمت الأبديّ وكان لابدّ من التساؤل ما الذي جنيناه من هذا الربيع؟ المحزن هو انّ الدمار أصبح منتشرا في غير بقعة من عالمنا العربيّ الكبير. لم يخطر ببال أحد من شعوب الأمة ان تكون الأثمان هذه الأنهار من الدماء وهذه “الفوضى الخلاقة” التي وعدتنا بها كونداليزا رايس وكانت نتيجتها دمارا للبشر والحجر. أما الذي يفوق خيال أي احد هو ما تمارسه جماعات التكفير المنتشرة هنا وهناك من وحشية فاقت كل التصورات تعيث في الأرض خراباً وفساداً ولا يجدون من يسألهم الى اين تريدون الذهاب بالأمة؟ ولماذا هذا القتل الأعمى بحق الأبرياء؟.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .