الأيّام الجميلة تذهب من بين أيدينا بسرعة البرق الخاطف، ولا أعتقد أنّ أياما تحمل من القيم الرفيعة أجمل من أيام شهر رمضان المبارك العابقة بالنفحات الإيمانية. الساعات تنسل والناس في غفلة ساهون، ومنشغلون بمتع الدنيا حتى اذا آذن الشهر على الرحيل انتبهوا من غفلتهم. وقلة هم أولئك الذّين استثمروا الشهر الكريم بالعمل الصالح وأحيوه بالطاعات، انه شهر التقوى كما قال الحق “يا أيّها الذّين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كُتب على الذّين من قبلكم لعلكم تتقون” البقرة 183.
إنّ المحزن - وبذريعة أنا صائم - يقدم بعضنا أو الأغلبية منّا على ممارسات تتناقض مع فضائل الشهر الكريم فيهملون في اداء الواجبات ويتكاسلون عن النهوض بالمسؤوليات المطلوبة منهم وبنفس المقدار يقترفون الأخطاء والخطايا بحق الأبرياء الذين ذنبهم الوحيد أنّ حاجتهم كانت بين ايديهم.
ومن شاءت له الظروف ذات يوم أن يكون مراجعاً لإحدى الوزارات خلال ايام الشهر الكريم فإنه سيصطدم بالموظفين بوجوههم العابسة المكفهرة والمتذمرين من المراجع وكأنّ هذا الانسان/ المراجع هو من فرض عليهم الصيام وأنّهم يمنون على الله عبادتهم ويتناسون أنّ الغاية الأسمى من فريضة الصوم أنها اختبار للإرادة ومقياس دقيق لمدى امتثالنا لما امرنا به سبحانه وتعالى. وبهذا المعنى فإنّ شهر رمضان قد تحول لدى هذا البعض الى شهر الكسل والخمول والبلادة بامتياز. والثقافة السائدة عند فئة من هؤلاء الحضور المتأخر للعمل بحجة الإرهاق والتهرّب عن انجاز المعاملات تحت ذريعة اداء الصلاة وغيرها.
المؤسف أن يتحول هذا الموسم الروحانيّ لدى فئة من الناس الى مناسبة للاستهلاك والتبذير والسهر وتزجية الوقت في متابعة المسلسلات حتى يحين وقت السحور. وتكاد الصورة المترسخة هي انّ هذا شهر المسلسلات والتفنن بالأطعمة، وبالمقابل يغيب عن الذهن أنه شهر التأمل في الذات واستثماره في الأعمال الإنسانية والروحية.
من المعاني التي ينطوي عليها الشهر الكريم انه فرصة للانسان المسلم لترويض نفسه على قيمة عظيمة هي تجذير قيمة التسامح مع الآخر ونبذ العنف والكراهية. وفي هذا الإطار ما أجدرنا الى التأسي برسولنا الاكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله الذي قال “أيّها الناس انه قد اقبل اليكم شهر البركة والرحمة والمغفرة شهرٌ هو عندالله افضل الشهور ولياليه افضل الليالي وساعاته افضل الساعات دُعيتم فيه الى ضيافة الله وجعلتم فيه من اهل الكرامة انفاسكم فيه تسابيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه.
أتصور أنّ على جميع المسلمين أن يغتنموا فرصة الشهر الكريم في ارساء منهج التسامح بين بعضهم ونبذ الكراهية والاحقاد. اذ ليس من المقبول ولا من المنطقي أن يعيش المسلم نفحات رمضان وروحانيته والاحساس بالآخرين ولا يزيل من نفسه البغضاء التي تعكر صفو الاخوة. ولا يجب ان نحصر معنى الصوم بالامتناع عن الطعام والشراب فقط بل الاهم أن نجعل منه مناخاً للتآخي وتجاوز الماضي بكل أحماله.
هذا الموسم الروحاني فرصة لتغيير العادات ولعلّ المثال الأقرب ما اعتاد عليه البعض كإدمان التدخين لكن ما إن يحين الشهر الكريم حتى يقبل على الصوم عنه ويصبّر النفس طيلة اليوم. اضافة الى العشرات من الامثلة التي يعيشها الناس في حياتهم اليومية.