في كل كارثة تحل بإحدى البلدان العربية فإنّ أصابع الاتهام توجه على الفور الى ابناء العم سام بوصفهم اساس كل شر وهم من يخططون وينفذون ويتآمرون علينا ودورنا كزعماء وشعوب أن نتلقى الضربة تلو الأخرى. منذ سنوات بعيدة اقتنعنا بدور الضحية التي لا حول لها ولا قوة وأننا شعوب مغلوب على أمرها تحت ذريعة ضعفنا واستلابنا أمام القوة الأعظم التي بيدها تدبير أمورنا. ورغم اعترافنا بما تحيكه الولايات المتحدة الأميركية من دسائس ومؤامرات بعضها بعيد عن الأنظار وأخرى مكشوفة كالشمس في رابعة النهار الاّ أنّ المحزن أنّ العرب حكاماً وشعوباً لا يزالون يعيشون في دائرة الوهم أنّ هذه الدولة هي من تنقذهم من واقعهم المرير.
ورغم أنّ خيوط اللعبة القذرة تتكشف يوما بعد آخر أنّ قلب الولايات المتحدة ليس معنا إلاّ انّ المفارقة انّ جميع العرب يتشبثون بهذا الوهم القاتل. وبصراحة لا ندري الى متى سنبقى نعلق الآمال على من يغتال احلامنا وآمالنا؟ ولا نفهم الى متى سنبقى ننتظر من زعيم الولايات المتحدة الاميركية أن يرق قلبه علينا؟ بل الذي يستعصي على الفهم كيف نطلب من زعيم الدولة العظمى أن يقوم بدور المخلّص لنا من كل معضلاتنا وآلامنا وهو السبب المباشر فيها؟
لا يفيدنا في شيء أن نعلن أنّ اميركا هي السبب في كل مصائبنا ونحن لا نفعل شيئاً على ارض الواقع. ولا يحرك من الأمر شيئاً القول إنها تتآمر علينا ونحن صامتون. وكان وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر قد قال في تصريحات له: في كل مرة نجتمع فيها مع المسؤولين العرب فإننا لا نسمع رأيا لوزير عربيّ بالاعتراض بل الموافقة الكاملة. وهذا أدى به – كيسنجر طبعا - الى اتخاذ مواقف متشابهة في كل مرة يجلس فيها مع الوزراء العرب. وكان دائما يحاول ان يبرهن انه غير خاضع لاية مؤثرات من هذا الطرف أو ذاك، وتطبيق السياسة ذاتها. الذي نستخلصه هنا أنّ لهذا الوزير الأميركي وغيره طبعا توكيلا مطلقا للتصرف في الشؤون العربية كما يشاء دون اعتراض. فهل هناك حالة أتعس من هذه الحالة؟ ويقول في فصل آخر من مذكراته “نيكسون وأنا عندما يحين الوقت لاتخاذ قرار بشأن الشرق الاوسط كنا نلتقي بالرأي ونساند بعضنا في جميع تصرفاتنا كان كل على طريقته نقدر أنّ الوصول الى حلول لقضايا المنطقة يتوقف على سياسة اميركية قوية فدوام اسرائيل متوقف على مساندة الولايات المتحدة.. أمّا العرب فكانوا يأملون ان تستخدم اميركا نفوذها في سبيل الوصول الى صلح مشرّف”، وهكذا استطاع وزير الخارجية الأميركي آنذاك بذكائه وثقافته وخبرته الواسعة أن يكون المخطط لجميع المؤامرات الأميركية ولا يزال العرب الى اليوم واقعين تحت هذه اللعبة القذرة. والحقيقة اننا لا نستوعب دروس الماضي وإلاّ فإنّ رؤساء الولايات المتحدة هم صور طبق الاصل من بعضهم رغم تغيّر الاسماء والاحزاب.
ليس هناك اسهل على الزعيم العربيّ من القاء التهم على الشيطان الأكبر في ما يجري على الأمة العربية من كوارث ومؤامرات وآخرها وليس أخيرها ما يجري في العراق من صراعات تنذر بكوارث مدمرة لا على هذا القطر وحده بل الخشية الأكبر من ان تمتد الآثار الى البلدان الأخرى.