العدد 2092
الإثنين 07 يوليو 2014
العبادة ليست موسمية محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الإثنين 07 يوليو 2014

المتعارف عليه لدى الإنسان المسلم أنّ شهر رمضان المبارك يعتبر مشروعا للبناء الدينيّ للفرد والمجتمع وهو فرصة لمحاسبة النفس لاستدراك ما فات وعقد العزم على طاعة الله تعالى. لكنّ الذي يثير الحزن أنّنا - أو أغلبنا - لا يحسن استثمار هذه المناسبة على الوجه الأفضل كغيرها من المناسبات الاسلامية كالصلاة والحج، إنّ الكثيرين جعلوا من ايام الصيام عبادة موسمية لتصحيح مسار حياتهم لكنهم يغفلون عن الغاية من الصوم كما في قول رسولنا الأكرم محمد بن عبدالله صلّى الله عليه وآله “من صام رمضان ايماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه”.
إنّ الامتناع عن الأكل والشرب ليس الاّ وجها واحداً من الصوم بينما تطوي هذه الشعيرة على أوجه عديدة يغفلها البعض كالترفع عن الشهوات ومجاهدة النفس التواقة الى السوء وهي لعمري من اصعب التحديات أمام الإنسان كما في قوله تعالى “وما ابرئ نفسي إنّ النفس لأمارة بالسوء”. ومن الأهداف التي يرمي اليها الصوم خروجه مما اعتاد عليه طوال اشهر السنة وإضفاء ألوان من التغيير لنمط حياته وما شابها من اخطاء وخطايا.
إنّ الذي يحذّر منه فقهاء الدين غالباً هو ألاّ يتحول التدين لدى فئة من الناس الى تدّين شكليّ بمعنى ارتباطه بأيام أو مناسبات بعينها وما إن تنتهي المناسبة حتى يعود هذا البعض ادراجه الى ما كان عليه وبالتالي تفقد الشعيرة الفلسفة الكامنة من ورائها وهذا بصراحة افراغ للشعيرة من جوهرها السامي وجعلها اشبه بالطقس.
وكنموذج واحد فقط مما اشرنا اليه من انصرافنا الى التدين الشكليّ ما نلحظه في كل البلاد الاسلامية بمجرد ان يطلّ شهر رمضان من اقبال على اداء صلوات التهجد وهي سمة اضحت مألوفة خلال الشهر الفضيل. والإقبال على الطقوس الموسمية فسرها علم الاجتماع بأنها اشبه بالنفاق الاجتماعيّ باعتبارها سلوكيات تنتهي بنهاية الموسم.
وفي محاولة للتعرف على الأسباب التي دفعت البعض الى ظاهرة التدين الموسمي قامت احدى الجهات الإعلامية بإجراء استبيان على فئة من الشباب فكانت النتيجة أنّ الأغلبية لا تملك تفسيراً منطقيا لما تفعل، وجاءت إجابات احدهم أنه ما إن يحلّ شهر رمضان حتى أنزع من نفسي كل صفات الخمول واللامبالاة والتقصير في اداء الطاعات والواجبات الدينية وأشمّر عن ساعد الجد في تأدية الفروض خصوصا المواظبة على الصلوات لما تحملها من اشراقات روحية تضفي بهجة على النفس، وكل ما اشعر به أنّ قلبي اصبح اكثر نقاءً وذهني اشدّ صفاءً خلال شهر رمضان.
وليست الإجابات الأخرى بعيدة عما اشار اليه هذا الشاب من كون الظاهرة متزامنة مع الشهر الفضيل وأنها ظاهرة مؤقتة وهو ما يستدعي من علماء الدّين التوقف امامها وبحثها. إنّ ما يقوم به المسلم خلال شهر رمضان المبارك يستحق من المسلم التأمل في مدلولاته بألا يكتفي بالتدين المؤقت بل يجب أن ينسحب على بقية أيام السنة، وكان الأديب مصطفى الرافعي قد قال في أحد مقالاته قبل عدة عقود “شهر رمضان هو شهر للثورة في فلسفة الصيام” وأشار آخر الى أننا لا نجد أثراً كبيرا لأعمال رمضان في حياة صاحبها فما هو السبب يا ترى؟ ما سبب أن يتحول جبل من العمل الى ركام من الرماد فلا يترك إلاّ اثراً ضئيلاً يمحى بعد مرور الأيام والابتعاد عن رمضان؟
يمكن ارجاع الظاهرة الى انّ اغلبنا يعيش مع العبادة دون معايشة لها في روحها وحقيقتها فالقيام طويل والخشوع قليل وقراءة القرآن كثيرة لكنها سباقات للوصول الى “الختمة” وغياب تام للقراءة المتدبرة الواعية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية