العدد 1922
السبت 18 يناير 2014
المعلم الإيجابيّ محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
السبت 18 يناير 2014

من منّا لا يتذكر معلميه وخصوصا الإيجابيين منهم؟ وأعني أولئك الذين غرسوا في الوجدان حبّ العلم والحياة معاً. لا أشك أنّ ذاكرة كل منا زاخرةً بأسماء ثلة منهم على الأقلّ. وكثيرون هم العلماء والمشاهير والناجحون الذين عبروا من (قلب المعلم ومن عقله) نتذكرهم بإعجاب وتقدير ونضيء لهم شموعاً من العرفان بالجميل منذ عتبات الطفولة أي منذ الصف الأول الابتدائي إبّان فك الحروف وحتى عصرنا الحاضر مع تعدد مصادر المعرفة اللانهائية.
 أقوال كثيرة تحدثت عن المعلم. وشوقي كمثال دعا لتبجيله، بل إنه رفعه لمقام يقترب من الرسل كرمز للعطاء. بيد أنّ الصغار لا يدركون كم هم يجهلون الكثير إلاّ بعد أن يكبروا. المعلمون أنقذوا حياة الآلاف بإخراجهم من جحيم الأمية نحو نعيم المعرفة. والمفارقة أنّ هؤلاء يشقون طريقهم إلى الأستاذية بينما يبقى المعلم حيث كان. إنّ العبارة الشائعة من أنّ الطفل أشبه بالإسفنج الذي يمتص ما حوله تبدو صادقة وعميقة، فمن خلال تأثره مما حوله وتفاعله من المقربين منه في كل سلوكياتهم فإنه يبني اتجاهاته الذاتية بنسبة كبيرة جداً.
 شخصية المعلم تلعب دوراً محوريا في صياغة عقل الطالب. ومن هنا فالمطلوب من المعلمين ألاّ تنحصر أدوارهم في عملية التعليم وحدها، بل يجب أن يكونوا مصدر قدوة لطلبتهم كالآباء تماماً، وهذا كما يبدو دورا مفقودا في العصر الحديث في أغلب مؤسساتنا التربوية. الإنسان جُبل على تقليد من يحب ومن يكسب إعجابه.
 وانطلاقاً مما تقدم فإنّ المهام المنوطة بالمعلّم هي الحرص على خلق المواقف الإيجابية لدى طلبته، فهؤلاء الطلبة يتأثرون بسلوك معلميهم، فأي سلوك لا ينطوي على قيم تربوية فهو يهدم كل ما استقر بذهن الطفل. والمنحرفون من بينهم إنما كان السبب في ذلك سلوكا غير مدروس من قبل البعض من المربٍين.
 المعلّم الإيجابيّ - كما يؤكد علماء التربية - هو من يتقن الرسائل الإيجابية غير المباشرة التي تتأصل في شخصية الطفل وتنمو مع التربية بالإيحاء. أي بزرع الطموح وحب النجاح والقوة في اتخاذ القرار إضافة إلى بث المعاني الجميلة والصفات الإيجابية في نفوس طلبتهم. إنّ قيماً إيجابية بالغة الأهمية يجب أن يبثها الآباء والمعلمون على حدٍ سواء في نفوس أبنائهم من قبيل أحسنت.. أو أنت متميز.. أو أنت مبدع لشحنهم بطاقة إيجابية عالية بدلاً من إطلاق النعوت السلبية التي اعتادها البعض من أمثلة أنت غبيّ! أنت عنيد.. الخ، غير مدركين الآثار والعواقب الوخيمة المترتبة عليها..
 ثمة مواقف بسيطة يخلقها المعلم كفيلة بصنع شخصية الطالب، بل تبقى محفورة في ذهنه رغم مرور عقود من السنين. من بين تلك المواقف ما تتميز به فئة من المعلمين من سجايا ونبل خلق كما نتذكر المعلم الذي يدخل الفصل مبتسماً وتعامله مع الطلبة راقٍ. وأتذكر من بين هؤلاء معلماً لم يزل يحتفظ من علّمهم إلى اليوم بأطيب الذكريات. وإذا كانت الأسوة مطلوبة من الجميع فإنها بدرجة أولى من المعلم. وكان أحد الشعراء قد قال:
يا أيّا الرجلُ المعلّم غيرهُ.. هلاّ لنفسك كان ذا التعليمُ
ابدأ بنفسك فانهَهَا عن غيّها.. فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك تُعذر إن وعظت ويُقتدى.. بالقول منك ويحصل التسليمُ
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية