العدد 1920
الخميس 16 يناير 2014
غياب ثقافة الاستقالة محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الخميس 16 يناير 2014

قصّة جديرة بالتأمل وملخصها أنّه عندما أعلن محافظ العاصمة اليابانية ناوكي أينوز عن تقديم استقالته بعد تفشي خبر قبوله رشوة قدرها نحو 480 ألف دولار من مستشفى أهلي. اينوز قال في مؤتمر صحافي أوردت وقائعه وكالة أنباء الأناضول الإخبارية التركية “لا ينبغي عليّ أن أعطّل أو أعرقل الاستعدادات للألعاب الأولمبية أكثر في هذا الوقت”.
واعتذر المحافظ من سكان طوكيو قائلاً “حاولت أن أوضح ما حدث لكننيّ لم أستطع أن أمحو شكوك الناس”، مشيراً إلى أنّ المبلغ الذي تسلمه من شركة توكو شوكاي كان بمثابة قرض شخصي دون فائدة وقد قمت بتسديده دون أن يتلقى مالك المستشفى أي مكافأة بالمقابل “هذه القصة ليست إلاّ نموذجاً واحداً من بين مئات الحالات لدى الشعب الياباني خصوصا وشعوب جنوب شرق آسيا عموما. بينما الواقع لدينا في العالم العربي على النقيض تماما، إذ يندر أن يقدم أحد المتورطين في الفساد على الاستقالة. الاستقالة قرار صعب بل من أصعب القرارات؛ لأنّ الذي استقر في ذهنية الرجل الشرقي أنّها تعني الفشل ولأنّها في المقام الثاني تعادل فقد الوظيفة بل فقد المركز الاجتماعيّ الذي هو الامتياز الذي يحرص على الاحتفاظ به أطول فترة ممكنة. وإذا أمكن طوال حياته مصداقاً للعبارة الذائعة في مجتمعاتنا العربية (إنّ الموت وحده من يقيل المسؤول العربيّ).
 ورغم الأخطاء المروعة التي يقع فيها بعض أصحاب المواقع المرموقة والمتورطون في قضايا الفساد فإنه من المستحيل أن يقدم أحدهم على الاعتذار فضلاً عن الاستقالة. وأتذكر أنّ أحد الظرفاء أشار ذات مرة في معرض حديثه عن ثقافة الاعتذار الغائبة في عالمنا العربيّ إلى أنّ المعلم في المدرسة الابتدائية عندما يخطئ فإنه لا يعتذر أبدا لتلامذته؛ لأنّ هذا يعني ببساطة أنّه استنقاصاً من شخصيته وكرامته أمامهم. وبالمقياس ذاته يمكننا القول إذا كان المعلم لا يقدم على الاعتذار فهل بإمكاننا أن نتصور بمن يتقلد مكانة أعلى أن يفعلها؟
الغرائب في عالمنا العربي هي أكثر من أن نحصرها في مساحة صغيرة أو نحددها في إطار لكننا نكتفي بإشارات سريعة كأن يعمد أحد الوزراء بإطلاق التصريحات والوعود بإنجازات ومشروعات.. ومع مرور الوقت يتضح أنّها ليست بأكثر من مشاريع على الورق ولا يفيق المواطن البسيط إلاّ على فقاعات. المفارقة أنه بدلاً من الإقرار بالحقيقة والاعتذار فإنّه يخرج على الجمهور بمزاعم عن إنجازات. لو أقدم هذا المسؤول على الاعتراف بالتقصير ولا نقول الفشل لاحترمه الناس وأعلوا من مكانته وشجاعته بيد أنّ الاعتراف بالفشل يتطلب قدراً ليس سهلاً من الشجاعة.
 وما أقدمت عليه اللجنة المكلفة بمتابعة ملف الفساد الذي تضمنه تقرير الرقابة المالية بإحالة عشرين متورطاً في الفساد إلى التحقيق هو بلا شك بعث الطمأنينة في قلب كل مواطن لأكثر من سبب أهمها أنّه سيكون رادعا للأغلبية من التفكير في تجاوز القانون أو السطو على مقدرات البلد.
 وكنّا نتمنى لو أنّ المسؤولين عن هؤلاء الضالعين في الفساد قد بادروا بإحالة من ثبت مخالفتهم إلى مجالس تأديبية قبل إعلان تشكيل اللجنة لا أن يبقوا صامتين طوال هذه السنوات وكأنّ الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد. ثمة حقيقة بالغة الأهمية مفادها أنه ما كان لهؤلاء الفاسدين الصغار أن يمدّوا أيديهم لو كان هناك من يحاسبهم على تجاوزاتهم وأخطائهم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .