المطر يبعث في النفس شعوراً طاغياً بالفرح، بيد أن عمر الفرح لا يستغرق سوى لحظات، إذ سرعان ما تتحول إلى حزن وكآبة؛ لأن المطر الذي هو نعمة من الخالق عز وجل استحال إلى نقمة وبلاء على أصحاب البيوت الأيلة للسقوط تحديداً. وبالرغم من أن كميات الأمطار التي هطلت على مدى اليومين الفائتين كانت متوسطة وعلى فترات متقطعة، إلا أنها أغرقت شوارعنا وأحالتها بركا ومستنقعات. المشكلة تتكرر كل عام تقريبا وكعادتها، فإن الوزارات المعنية كل ما تفعله تسارع بسيارات الشفط في محاولة يائسة إلى شفط ما يمكن من كميات المطر في ظرف ساعات، وهو أمر يعد من المستحيلات، وحينها لا يجد المواطنون بدا من الخوض بعرباتهم.
المفارقة أن اللجنة الوطنية لمواجهة الكوارث ترسل شارات تحذيرية بعدم استقرار حالة الطقس، وتنبئ بسقوط الأمطار للجهات الرسمية إلا أن هذه الجهات لا تضع حلولا جذرية، بل لا تحسب لها أي حساب كخطة لمواجهتها، وكأن الأمر بالنسبة لها سيان مما يولد لدى المواطنين حالة من الاستياء والغضب؛ كونهم لا يبدون الجدية ولا الاهتمام المطلوب. إن استهانة الجهات المعنية كالبلديات والأشغال بالامر تكون أثمانه باهظة.
ما اسفرت عنه أزمة المطر الأخيرة وما قبلها على مدى سنوات لم يفاجئنا على الإطلاق، بل كان امرا متوقعاً لانعدام التخطيط من جهة، وغياب المسؤولية من الجهة الأخرى فليس من المنطق ألا نشهد أي تحسينات من عام إلى آخر على مستوى البنية التحيتة الغارقة في الإهمال والفوضى. وإذا كنا قد أشرنا منذ سنوات إلى أحياء بعينها للفت أنظار المسؤولين إليها؛ كونها تمثل ثقلا سكانيا أكبر من غيرها، فاننا كنا نمني النفس بإجراءات سريعة، لكن الملاحظ أن صرخاتنا ذهبت أدراج الرياح، ولم تلامس أسماع أصحاب الاختصاص. وبقيت الأوضاع كما هي عليه، وأصبح المواطنون يندبون حظوظهم العاثرة.
الأكثر مدعاة للألم والحزن هو ما يتعرض له أصحاب البيوت الآيلة للسقوط، والذين استغاثوا بالبلدية لإنقاذهم على وجه السرعة من حالتهم المزرية إما بشفط البرك المحيطة بمنازلهم أو فتح منافذ للخروج، لكن كلا المطلبين لم يقدر له أن يتحققا. ولعل الذي لم يخطر على بال أحد هو أن بعض البلديات لا يتوفر بحوزتها سوى سيارتين أو ثلاث فقط! فهل من المعقول أن نواجه سيول الأمطار بمثل هذا العدد الضئيل. وعندما تنطلق الشكاوى من سوء التخطيط، فإن كل جهة تتنصل من المسؤولية، بل إن بعض المسؤولين لا يتردد بالتباهي بـ «منجزات» وزارته!
إن التساؤل الذي يدور في ذهن كل مواطن هو التالي: إذا كان هطول المطر يومين فقط فعل فعلته بشوارعنا وطرقاتنا، فإنه يحق لنا أن نتساءل كيف لو استمر هطول الأمطار لبضعة أيام وبنسبة أعلى مما كانت عليه؟ ألا يمكن أن تحاصر المنازل وتلحق أضرارا لا يعلم مداها إلا الله؟
وكما أربكت الأمطار المسؤولين بالوزارات والهيئات الحكومية، فإنها تسببت في خلق إرباك مضاعف لأصحاب المنازل المتهالكة الذين وقفوا مكتوفي الأيدي أمام السيول التي غزت بيوتهم وألحقت بها اضرارا فادحة كانهيار أجزاء منها.
المحزن هنا أن مشروع البيوت الآيلة قد توقف مما يعني أنهم معرضون للأسوأ في الأيام القادمة. أما اسباب توقفها كما أشيع، فيعود إلى نقص الميزانية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.